عبدالحق عزوزي
إن التحديات في منطقة البحر الأبيض المتوسط هي إقليمية أكثر فأكثر، في حين أن ردود الفعل تنحو إلى أن تكون وطنية وهنا المشكل. فهل يمكننا أن نتصور حلاً محدوداً جغرافياً للتهديدات الأمنية الآتية من منطقة الساحل، ولضغوطات المنافسة القادمة من الأسواق الناشئة، وللتطلعات المشروعة للشباب من أجل سهولة التنقل والازدهار؟ بالتأكيد الإجابة ستكون بالنفي.
ويمكن أن نلاحظ مع زميلنا الدبلوماسي فتح الله السجلماسي الأمين العام للاتحاد من أجل المتوسط أمرين بخصوص هذا التعاون الإقليمي الحتمي، وهما:
1- أنه كان لبناء المنطقة الأورو- متوسطية ومختلف المنظمات ومبادرات التعاون المقترحة منذ أكثر من ثلاثة عقود، (ومن أشهرها عملية برشلونة التي انطلقت سنة 1995)، نتائج متناقضة غير أنها إيجابية في غالب الأحيان على مستوى العلاقات الثنائية بين الاتحاد الأوروبي وشركائه في الجنوب، إلا أنها محدودة على المستوى السياسي، بل وضعيفة على مستوى تعزيز التعاون الإقليمي الذي يعتبر أحد الأهداف المركزية للشراكة الأورو- متوسطية، وإقامة منطقة التبادل الحر. فيجب إذن أن نمضي قدماً انطلاقاً من المكتسبات الإيجابية لعملية برشلونة، وأن نلاحظ أن المعوقات السياسية لم تنشأ سنة 2008 مع نشأة الاتحاد من أجل المتوسط وإنما هي حقائق جيو- سياسية في المنطقة.
2- على المستوى الاقتصادي، لا يزال الاندماج الإقليمي في منطقة المتوسط ضعيفاً مقارنة مع مناطق أخرى في العالم مثل منظمة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» (22 في المئة) أو السوق المشتركة لبعض دول أميركا اللاتينية «ميركوسور» ( 20في المئة). كما لا تزال العلاقات الاقتصادية البينية ضعيفة جداً. ولهذا، يعتبر الاندماج المتوسطي هدفاً ذا أولوية.
وكلمة المتوسطي في مدلولها اللاتيني تعني الفضاء «في وسط الكرة الأرضية»، وهو هذا الفضاء الواقع بين جنوب أوروبا وشمال أفريقيا، والممتد شرقاً إلى لبنان وفلسطين، والمتاخم لكل من تركيا واليونان وإيطاليا ومختلف الجزر والمنتهي في مضيق جبل طارق. أما الخريطة الجيو- سياسية للبحر الأبيض المتوسط، فتمتد اليوم إلى داخل بحر الأدرياتيك لتشمل ألبانيا، والبوسنة والهرسك، الجبل الأسود وسلوفينيا.
إنه فضاء ذو تاريخ غني، مثمر وخصب للغاية، أعطى الكثير من المعارف للعالم في مختلف المجالات مثل العلوم، الثقافة، الرياضة (الألعاب الأولمبية)، الهندسة المعمارية، الفلسفة، الأدب، الفن، الطبخ، السياحة، الهندسة المدنية (أنابيب المياه وتصميم المباني وأشياء أخرى من طرف الرومان)، وبناء السدود. ولهذا، ودون إنكار مساهمات مناطق أخرى في العالم، يعتبر البحر الأبيض المتوسط مهد الحضارة العالمية.
إنه منطقة السلم واللقاء والتبادل، ولكن أيضاً هو فضاء هيمنت عليه الفتوحات والحروب والإمبراطوريات، وهو خليط من الشعوب والثقافات والحضارات المتعددة مثل حضارة ما بين النهرين، ومصر (الفراعنة)، ومقدونيا (الإسكندر الأكبر)، وفارس، والفينيقيين، وقرطاج، وأثينا، روما، وفينيسيا، وجنوة، وفاس المغربية.
ولهذا دأبنا منذ سنوات مع العديد من الشخصيات المتوسطية كمحمد القباج وهيرمس، ودومينيك بوديس (الذي وافته المنية مؤخراً وعرفته صديقاً وفياً لما كان عمدة لتولوز ثم رئيساً لمعهد العالم العربي، وكان من بين المنافحين المجدين معنا في بناء أسرة متوسطية واحدة) وهنري غينو والسفير محمد الفاتح الناصري والسفير مصطفى الشريف وسينين فلورينزا وغيرهم من الأفراد والمؤسسات وذوي النوايا الحسنة في تنظيم منتديات عن الفضاء المتوسطي في مدينة فاس جمعت لحد الساعة ما يزيد عن خمسمائة ألف مشارك في إطار ما اسميه بدبلوماسية المؤتمرات... ومكنت من إصدار توصيات عالمية تؤخذ بعين الاعتبار في المحافل المتوسطية والدولية، وأتاحت جمع كوكبة من خيرة العقول في العالم... وهم غالباً ما ينضوون في مؤسسات دولية... وهم أصحاب التنمية وذوو الكفاءات الضرورية... ثم هم بعد ذلك سفراء منتديات فاس في بلدانهم وأوطانهم.... وكان حلمنا منذ البداية أن يكون لضفتي البحر الأبيض المتوسط قالب مؤسساتي متكامل. وبمجرد الإعلان عن هذا المشروع من طرف الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي عندما كان مرشحاً للرئاسة، استقطب الاهتمام، وعقدنا في يونيو 2008 منتدى كان ممهداً لقمة باريس بل كان لنا وللعديد من الشخصيات في ضفة المتوسط شرف استقبالنا من طرف رئاسة الإليزيه لتقديم إعلان فاس قبل أول قمة مؤسِّسة للاتحاد من أجل المتوسط إيمانا من الرئاسة بدور الدبلوماسية الثقافية والفكرية في صياغة الحلول وصناعة الفكر والمعرفة... وهو المبدأ الذي تتبناه العديد من الهيئات المتوسطية كالمؤسسة المتوسطية التي يترأسها الإيطالي ميشل كابسو التي تكافئ سنوياً العديد من الشخصيات البارزة... وتسليم المؤسسة مؤخراً لجائزة البحر الأبيض المتوسط للدبلوماسية والفكر 2014، للدكتور جمال سند السويدي، مدير عام «مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية»، هو تقدير لإسهاماته وجهوده الملموسة في تعزيز مفهوم «دبلوماسية الثقافة» القائمة على صناعة المعرفة والفكر.
والجائزة هي ثمرة من ثمرات جهد أناس أسهموا ويسهمون في وضع لبنات تحالف الحضارات والتنوع الثقافي في العالم، أناس عملوا على تثبيت الأمن والسلام، ويتم منحها لعلماء ومفكرين تمكنوا، من خلال فكرهم والمؤسسات التي يتولون رئاستها، من بناء دبلوماسية موازية للدبلوماسية الرسمية، قوامها صناعة الثقافة والفكر... وهي من المبادئ التي تمثل استمرارية للأصول التي بنى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، على أساسها دولة الإمارات العربية المتحدة، واستمرارية لما تتبناه الدولة من سياسة استراتيجية تنموية شاملة في المجالات كافة.
ثم هو النهج الذي يستند إلى الثقة والأمل، الثقة بين القيادة والشعب وبين المؤسسات مع بعضها بعضاً، وهذه الثقة هي أساس قوة أي دولة وتماسكها. والأمل هو الذي يخلق الابتكار والتطوير والتطلّع إلى المستقبل وهما اللبنتان اللتان يجب تعزيزهما في الفضاء المتوسطي.
&















التعليقات