وليد أبي مرشد

في ردّه على ملاحظة الرئيس الأميركي باراك أوباما بأن روسيا «لن تستطيع التوصل من خلال شن الضربات (الجوية) إلى وضع سلمي في سوريا»، أوضح رئيس الوزراء الروسي، ديمتري ميدفيديف، أن بلاده «لا تقاتل من أجل قادة معينين، بل تدافع عن مصالحها القومية وضد تهديدات عودة المتطرفين الإسلاميين إلى أراضيها».

إذن سوريا هي الجبهة «الخارجية» لحرب «داخلية» يخوضها الرئيس بوتين على ما يوصف في روسيا بالإرهاب «الإسلامي» (والتقارير الغربية تتحدث عن نحو ثلاثة آلاف «متطوع» روسي يقاتلون في صفوف «داعش»).

إذا كان ما ذكره ميدفيديف هو فعلا مبرر التدخل الروسي في سوريا، فإن السؤال الذي يطرح نفسه بنفسه هو: لماذا لا تضم روسيا جهودها إلى جهود الولايات المتحدة وحلفائها للقضاء على العدو المشترك، الإرهاب، وإنهاء مأساة السوريين بأفضل الطرق وأسرعها؟

لأن هذا التنسيق لم يحصل حتى الآن، بات من المنطقي الاستنتاج بأن لروسيا «أجندتها» الخاصة في سوريا.

تذرُّع روسيا في تعزيز وجودها العسكري ونفوذها السياسي في سوريا بمحاربة «الإرهاب» غير مستغرب على خلفية معطيين: حماية قاعدتي روسيا العسكريتين في طرطوس واللاذقية، وانكفاء الدور الأميركي عن الساحة السورية، فمن المعروف أن سوريا دولة «صديقة» لروسيا منذ عام 1971، ودولة «ممانعة» للنفوذ الأميركي منذ عقود.

ولكن تصرفات موسكو ما بعد «الانتشار العسكري» في سوريا تثير أكثر من تساؤل واحد عما إذا كانت «الحالة السورية»، دون غيرها، بيت القصيد في تدخلها العسكري أم أن أبعاده تتجاوز سوريا لتندرج في مخطط الرئيس بوتين الرامي إلى تعديل ميزان القوى الراهن مع الولايات المتحدة، خصوصا في الشرق الأوسط. في مقدمة هذه التساؤلات: أهي مجرد صدفة أن توقع روسيا، أواخر الشهر الماضي، معاهدة تعاون استخباراتي مع حكومة بغداد، ضاربة عرض الحائط بغضب واشنطن منها؟

وهل هو مجرد حدث عادي أن ينشئ الجنرالات الروس في بغداد، وفي «المنطقة الخضراء» بالذات (حي السفارة الأميركية)، غرفة عمليات مشتركة مع دولتين إقليميتين معاديتين للولايات المتحدة، أي سوريا وإيران؟

وهل هو مجرد تطور عسكري بريء من أي خلفية سياسية أن تطلق روسيا من بحر القزوين، وعبر المجال الجوي العراقي، صواريخ باليستية باتجاه المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سوريا؟

في «تسللها» من سوريا إلى العراق توظف موسكو مناخ القلق العراقي الشعبي والرسمي من حالة المراوحة، التي غرقت فيها حملة الولايات المتحدة الجوية على «داعش»، ففي نظر كثير من العراقيين لا تخرج هذه الحرب الأميركية عن عملية احتواء، لا قهر، لـ«داعش»، الأمر الذي يهدد بأن يخلف كيانا عراقيا منقسما على نفسه.

واللافت في هذا السياق أن العراق الرسمي يحبذ تدخلا لروسيا مباشرا في بلاده، فخلال لقاء رئيس الحكومة العراقية، حيدر العبادي، بالرئيس بوتين دعاه لأن يوسع نطاق القصف الجوي لقواعد المتطرفين في سوريا بحيث يشمل مناطق «داعش» داخل العراق.

وكأن الإرهاب لا يكفيه عبئا، يعاني الشرق الأوسط اليوم من تداعيات سعي الرئيس بوتين للإخلال بمعادلة النفوذ الدولي في المنطقة لصالح النفوذ الروسي، عبر ما يبدو نهج قضم تدريجي للنفوذ الأميركي، سبق أن بدأه في شبه جزيرة القرم وشرق أوكرانيا.

ولكن، هل تتحمل واشنطن، التي تذرعت في احتلالها العراق في عهد الرئيس جورج بوش، بمزاعم يندى لها خجلا جبين مسيلمة الكذاب، وأنفقت في سبيل ذلك مئات المليارات من الدولارات وضحّت بحياة المئات من «أبنائها» وجنودها.. أن يعود الشرق الأوسط اليوم إلى دائرة النفوذ الروسي، كما لم يكن يوما في أوج سنوات الحرب الباردة؟

الكرة اليوم في ملعب الولايات المتحدة، فروسيا تواصل بلا كلل أو ملل سياسة القضم والهضم للنفوذ الأميركي أينما تيسر ذلك لها، وقصف الطائرات الروسية لقواعد المعارضة السورية المعتدلة المدعومة من واشنطن، رسالة واضحة بأن موسكو لا تخشى تصعيد عملياتها العسكرية في سوريا حتى وإن أدت إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة.

الشرق الأوسط اليوم ساحة اختبار لمقدرة روسيا على تعديل ميزان القوى العالمي مع أميركا من دون التسبب بحرب شاملة.. ولكن إذا رضي الرئيس أوباما بذلك، فهل ترضى به «المؤسسة» الأميركية الرسمية، وتحديدا حلف شمال الأطلسي؟