راجح الخوري

ها هي الفواجع تتوالى، فقد انتهى مؤتمر فيينا بإعلان واهم عن اتفاق على عملية انتقالية في سوريا من المستحيل تنفيذها وسط الظروف الراهنة، ثم بدأت «قمة العشرين» في أنطاليا بتصريحات شبه يائسة، لا بل فاجعة، من باراك أوباما عن الحرب الطويلة ضد الإرهابيين، وقبل مؤتمر فيينا وعشية قمة أنطاليا كان تنظيم «داعش» يضرب في ثلاثة أمكنة متتالية ومتباعدة؛ حيث قام بإسقاط الطائرة الروسية فوق سيناء، ونفَّذ عملية تفجيرات انتحارية في ضاحية بيروت الجنوبية، حيث معاقل حزب الله، ثم نفذ تفجيرات باريس التي وضعت أوروبا والعالم فوق صفيح من القلق والذعر.
&

رغم أن العمليات الدموية في باريس هيمنت على أجواء قمة أنطاليا، ورفعت منسوب الغضب إلى مداه الأقصى، فإن أوباما لم يتردد في إلقاء مياه باردة على الوضع، عندما قال إنه ليس لديه اتجاه لتغيير الاستراتيجية الأميركية المتبعة حيال «داعش»، والمعروف أن هذه الاستراتيجية هي عدم وجود استراتيجية، كما يقول روبرت فورد، سفير واشنطن السابق في دمشق والمستقيل احتجاجًا على هذا.


أقصى الردود الأميركية على التصعيد «الداعشي» كان إعلان أوباما عن اتفاق المجتمعين في أنطاليا على «تعزيز الوسائل التي نتبادل من خلالها المعلومات الاستخباراتية»، وتطميننا إلى أن لدى أميركا وعيًا شديدًا حول قدرة التنظيم على شن هجمات في الغرب، لكن والمضحك - المبكي أنه في حين كان «داعش» يبث إعلانًا يهدد بتنفيذ ضربات موجعة في واشنطن، بدا كأن مدير وكالة الاستخبارات الأميركية جون برينان آخر من يعلم عندما قال: «عملية باريس ليست معزولة، بمعنى أنها الوحيدة التي خطط لها (داعش)، فالتنظيم لا يكتفي بأن تقتصر أنشطته الدامية على سوريا والعراق وتأسيس فروع محلية في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا، بل وضع برنامج عمليات خارجية يطبقه الآن، وسيؤدي إلى نتائج خطيرة. والاستخبارات تعمل على مدار اللحظة للتدقيق في ما يمكن أن يقع من هذه الأعمال»!
هكذا تمامًا، لكن الأمر لا يبدو غريبًا على الإطلاق، قياسًا على بقية تصريحات أوباما في أنطاليا، التي دفعت أحد السفراء الغربيين في بيروت إلى السؤال: «ولماذا لا يعلن أوباما انتصار (داعش)، عندما يقول بالحرف: (إن إيقاف تنظيم داعش أمر صعب، لأن التنظيم لا يخوض حربًا تقليدية.. إن هذا ليس ما يجري، إنهم قتلة، وإن الأمر لا يتعلق بدرجة تطورهم أو بما يملكونه من الأسلحة، لكنه يتعلق بالعقيدة التي يتبنونها وباستعدادهم للموت؟!».


يا له من اكتشاف مبهر يلائم المسؤولية الدولية العالية، خصوصا عندما نتذكر قرار أوباما إرسال 50 جنديًا لدعم المعركة ضد «داعش»، وأن هذا الإعلان جاء؛ أولا بعد مرور 25 شهرا على قيام «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» الذي ترؤسه أميركا ويضم 60 دولة، وثانيًا بعد التدخل العسكري الروسي، الذي صحيح أن فلاديمير بوتين يريده دعمًا لبشار الأسد أكثر من قتال «داعش»، لكنه يأتي على حساب المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة في إحدى أشد المناطق حيوية في العالم!
رجب طيب إردوغان، مضيف قمة «العشرين الكبار»، وهي قمة اقتصادية في الأساس، تعمد منذ البداية إدخال الوضع السوري ومشكلة الإرهاب إلى جدول النقاشات الجانبية، لكن كان من الواضح سلفًا أن «داعش» سيكون نجم «أنطاليا» بلا منازع، بما يسر طبعًا قلب الأسد وحلفائه الروس والإيرانيين، لأن هذا حجب، ولو مرحليا، ضرورة إنهاء الأزمة السورية المتمادية، على أساس ترتيب عملية انتقال سياسي تضع الأسد خارج السلطة.


لكن المفارقة كانت حاضرة من جديد عندما تقدم الاهتمام بضرورة العمل الدولي للخلاص من تنظيم «داعش» على ضرورة العمل الدولي للخلاص من نظام الأسد، الذي يجمع العالم باستثناء حلفائه الروس والإيرانيين على أنه هو الذي استولد «داعش» ورعى الإرهاب منذ زمن بعيد، وتحديدا منذ قام بإطلاق «القاعدة» من سوريا لمحاربة الأميركيين في الأنبار بعد عام 2003، وليس خافيًا أنه حتى نوري المالكي كان قد تقدم بشكوى إلى الأمم المتحدة حول هذا الموضوع!
قبل العودة إلى تصريح جون كيري المفاجئ، وربما الواهم، الذي بشرنا بالحديث عن بداية «مرحلة انتقال سياسي كبير» في سوريا، من الضروري استكمال صورة الموقف الدولي من الإرهاب و«داعش»؛ خصوصًا بعد عملياته الإجرامية بإسقاط الطائرة الروسية وتفجيرات ضاحية بيروت الجنوبية، ثم هجمات باريس الدامية، فها هو المتحدث باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، يعلن بعد سلسلة المحادثات التي أجراها بوتين مع عدد من الزعماء في أنطاليا، عدم وجود موقف موحد للغرب في شأن مكافحة الإرهاب، لكن هناك مجرد تفاهم نظري على ضرورة التعاون ضد الإرهابيين!
وعندما يقول بيسكوف إنه لا يمكن التوصل إلى اتفاقات بين روسيا والغرب، فمن الواضح أن تصنيفات موسكو للإرهاب التي تدرج كل المعارضة السورية في خانة الإرهابيين هي التي تحول فعلاً دون حصول مثل هذا التفاهم، ولا داعي لأن يتوقف المراقب مثلاً أمام انتهاء أعمال «أنطاليا» بالتناقض المعروف بين أوباما الداعي إلى خروج الأسد وبوتين المتمسك ببقائه؛ إذ يكفي أن نتذكر اجتماعهما المضحك والمرتجل لمدة 20 دقيقة في زاوية الفندق، لكي ندرك أنه لقاء لا يكفي ربما لإلقاء التحية، فكيف بحل مشكلة سوريا و«داعش» العويصة جدا؟!
أعود إلى تصريح كيري غداة «قمة العشرين»، ففي حين أشار أوباما إلى حدوث «تقدم متواضع»، أعلن كيري من باريس أنه قد تبدأ «مرحلة انتقال سياسي كبير» في غضون أسابيع بين النظام السوري والمعارضة، وذلك نتيجة التسوية الدولية التي تم التوصل إليها في ختام مفاوضات فيينا، ولكن لم ينس أحد بعد الملاكمة الكلامية، وفي فيينا، حول مستقبل الأسد بينه وبين لافروف، ثم إن هناك سلسلة من العقد والعراقيل العويصة التي تعترض هذه المفاوضات!
في هذا السياق، تحتاج العملية السياسية التي يشير إليها كيري إلى الاتفاق على وفد المعارضة، وما إذا كانت الأسماء ستخرج من عباءة لافروف والأسد أم من المعارضة الخارجية الحقيقية؟ ثم كيف وعلى أي أساس سيتم الاتفاق على تصنيف التنظيمات؛ إرهابية وغير إرهابية مقبولة، في المفاوضات؟ وهل سيترك تصنيفها إلى الأردن وحده؟ وتبقى المشكلة الكبرى، أي وقف النار، فهل هناك أي وقف للنار قبل إلحاق الهزيمة بـ«داعش» و«النصرة» وبكل معارض للأسد كما يريد بوتين؟
&