&مصر: مساحات الحرية المتبقية تتآكل بوتيرة متسارعة… وضعفنا جعلنا نتفرج على سوريا كما فعلنا مع كل مآسينا ومصائبنا


حسنين كروم

الحر لا يزال محور الاهتمام الأول للأغلبية، خاصة مع تحذيرات وزارة الصحة المواطنين من الخروج من منازلهم إلا للضرورة القصوى.


كما نشرت الصحف المصرية السبت خبرا لافتا عن إصابة محافظ الشرقية الدكتور رضا عبد السلام بضربة شمس، وتم نقله إلى المستشفى. ومن الأخبار الأخرى التي نشرتها الصحف إعلان وزارة الداخلية أنها توصلت إلى معرفة الإرهابيين الذين قاموا بعملية التفجير أمام مبنى الأمن الوطني في شبرا الخيمة، وبدأ الاهتمام يتزايد بالانتخابات المقبلة بعد الإعلان عن فتح باب تلقي الطلبات للترشح في الثالث عشر من الشهر المقبل، وموافقة اللجنة العليا للانتخابات على الطلبات التي تقدمت بها منظمات المجتمع المدني المحلية والأجنبية للمراقبة. ورغم زيادة الاهتمام بالزيارة المقبلة للرئيس عبد الفتاح السيسي لروسيا، فإن الاهتمام الشعبي الحقيقي بها سيحدث إذا ما تم التوقيع على اتفاقية إنشاء المفاعلات النووية الأربعة في الضبعة، كما لم يهتم كثيرون بأحكام محكمة الجنايات على مرشد الإخوان وآخرين بالسجن المؤبد في قضية قسم شرطة العرب في بورسعيد، وكذلك الأمر بالنسبة لإضراب أمناء الشرطة في أقسام ومراكز الزقازيق للمطالبة بزيادات مالية. وبالإضافة للحر والمرحلة الثالثة للقبول في الجامعات وكثرة الاهتمام بهما فقد تزايد الاهتمام باقتراب موسم الحج وإجازات عيد الأضحى وأسعار اللحوم.
وسوف نخصص جزءا كبيرا من تقرير اليوم للعلاقات المصرية السعودية بالنسبة لسوريا، حتى يلم القارئ بكل أبعادها التاريخية والحالية، خاصة أنها ستكون محورا لتحركات مقبلة ومؤثرة في منطقتنا.

سوريا ومصر والسعودية

ونبدأ بالقضية التي بدأت تبرز من مدة على استحياء عن خلافات بين مصر والسعودية بالنسبة للمشكلتين اليمنية والسورية، ثم أخذت تزداد سخونة بالتدريج عندما امتدت إلى القول أن هناك تغيرات في السياسة السعودية بعد وفاة الملك عبدالله وتولي الملك سلمان، من ناحية الإخوان المسلمين، وزيادة الدعم السعودي للمعارضة السورية المسلحة لإسقاط نظام بشار الأسد، وهو ما تعارضه مصر صراحة ولم تخفه. وبرز قدر من التوتر بسبب الانتقادات التي وجهتها الصحف المستقلة للسياسة السعودية، واتهامها بدعم السلفيين وحزب النور، مما دفع وسائل إعلام وكتاب سعوديين للرد والهجوم، وكان أبرزهم زميلنا الكاتب جمال خاشقجي، وهو ما أثار حساسية شديدة وتساؤلا، أن كان مدفوعا من الجهات العليا في المملكة، أو من أحد أجنحة الحكم، وهو التساؤل نفسه الذي ثار في المملكة بالنسبة لانتقادات بعض الصحف المصرية لها، لكن قيادتي البلدين السيسي والملك سلمان، نفيا حدوث أي توتر أو فتور، وتمثل ذلك في زيارات للسيسي ولوزير الخارجية سامح شكري ومسؤولين سعوديين لمصر، ثم جاء حديث محمد حسنين هيكل مع زميلنا طلال سلمان رئيس تحرير صحيفة «السفير» اللبنانية، وفيه جملة أثارت عاصفة ضده في السعودية، وعقد السفير السعودي في القاهرة أحمد القطان مؤتمرا صحافيا للرد عليه وعلى غيره، وتوضيح الموقف، وكان كلامه فيه جملة عن استقرار العلاقات بين البلدين، رغم أنف هيكل. وأبرزت صحف «المصري اليوم» و«الوطن» و«اليوم السابع» و«البوابة» في صفحاتها الأولى أخبار تغطيتها للمؤتمر، بينما لوحظ أن الصحف الحكومية الثلاث «الأهرام» و«الأخبار» و«الجمهورية» تجاهلت المؤتمر، ولم تشر إليه، باستثناء مجلة «المصور» القومية التي شنت هجوما عنيفا ضد هيكل، وفي مؤتمره الصحافي تعمد السفير القطان التأكيد على أن جمال خاشقجي وما يكتبه عن مصر هو رأيه الشخصي ولا يعبر بحال من الأحوال عن سياسة بلاده. المهم أن الإجراءات العملية بين البلدين استمرت في مسارها الطبيعي مع حرص مصر الشديد على إظهار تمسكها بموقفها مع السعودية في ما يخص قضية اليمن، لأنها تعتبرها جزءا من أمن دول الخليج العربي، وتعهدها بأن تكون داعما عسكريا قويا لها لمواجهة الأطماع والتدخلات الإيرانية. أما بالنسبة لعلاقات السعودية مع حزب الإصلاح الإخواني فهي حرة فيها، لكن مصر غير ملزمة بذلك في اتصالاتها وعلاقاتها مع الأحزاب والقوى اليمنية الأخرى.
ويرى النظام المصري ان اليمن ليس مشكلة إنما المشكلة الحقيقية هي في سوريا، ومصر منذ البداية أعلنت عن معارضتها لأن تنتهي الأوضاع هناك، إما إلى تقسيم سوريا أو سيطرة التيارات الإسلامية المتطرفة أو الإخوان، أو انفراد تركيا وإيران بتقاسم النفوذ والسيطرة هناك، وكان هذا الموقف الرسمي تعبيرا عن رأي شعبي.

سياسة السعودية ثابتة
ولا تتأثر بتغير الملوك

ونبدأ مع «المصريون» الأسبوعية المستقلة، التي نشرت في عددها يوم الأحد قبل الماضي حديثا مع خاشقجي أجراه معه زميلنا فتحي مجدي كان مثيرا للعجب والدهشة فقد قال بالنص: «البلدان استطاعا تجاوز اختلاف في وجهات النظر، في اليمن ثمة توافق وتعاون، أما في سوريا حيث كان هناك اختلاف سابق أقر بوجوده السفير السعودي في القاهرة الأستاذ القطان، ولكنه أيضًا أشار إلى تجاوزه، المنطقة مقبلة على تحرك سعودي وتركي، ومن الجيد أن يكون لمصر دور بجوار جناحها الآخر، السعودية ولا يستمر غيابها. ثمة سياسة سعودية ثابتة لا تتغير بتغير الملوك والرؤساء في البلدين، هي حرص المملكة على علاقة ممتازة مع مصر، السعودية تشعر باطمئنان أكبر ومصر معها، لذلك لا أحسب أن تحولات الحكم في السعودية ستؤدي إلى تغيير جذري، ولكن لكل زمن رجاله وسياسته، الظروف تغيرت، السعودية اليوم وسط مشروع كبير قوامه أمران مهمان، الأول: وقف حالة الانهيار الجاري في المنطقة والمسبب للإرهاب، لاحظ أنها وهي محاربة شرسة للإرهاب ولكنها لم تقدم مواجهته على مواجهة بشار، كما أراد الروس، كذلك فعل المصريون أو لنقل الإعلام المصري. الثاني: طي صفحة إيران في المنطقة، أحسب وهذا رأيي كمراقب سعودي أن هذين الهدفين مسيطران على السياسة الخارجية السعودية، من التزم بهما فهو صديق وحليف، ومن عارضهما فهو خصم، هذه هي المسائل التي ستحدد بها شكل العلاقة وليس تغيير القيادة والله أعلم. وزير الخارجية السعودي عادل الجبير التقى قبل أيام مع نظيره الإيطالي وقال إنه لا مكان لبشار، ونفضل أن يمضى سلما من خلال اتفاق جنيف، أو غيره، وإن لم يكن كذلك سيخرج بعمل عسكري، هذا التصريح يكشف المدى الذي ستذهب إليه المملكة في مشروعها السوري، هل مصر مستعدة أن تشاركها فيه؟ خاصة أن أشد مناصري المملكة فيه هما قطر وتركيا، وبين الثلاثة تعاون كبير، قد يأتي وقت تكون فيه حاجة لقوات عربية لحفظ الأمن في سوريا تتعامل مع قوى إسلامية صاعدة هناك، هل مصر مستعدة لشراكة كهذه؟ السياسة لا يمكن أن تكون وفق ما نحب، خاصة عندما تجري خارج أرضنا، النوايا طيبة فنسأل الله أن تستمر كذلك، إذ لا يجوز أن تغيب مصر عن هذه الولادة الجديدة للمشرق العربي، وهي ولادة قد ترسم شرقا عربيا جديدا غير ما نتج عن ذلك الشرق الذي ولد عقب سقوط الدول العثمانية وعاش متعثرًا لمئة عام ثم انهار في 2011».

من يضمن مستقبل
لسوريا الموحدة بعد الأسد؟

وعلى كل حال فسرعان ما جاء الرد بطريقة غير مباشرة على جمال إذ سافر إلى سوريا وفد صحافي مصري وعادوا للكتابة عما شاهدوه، كما شارك في التعليق من لم يسافر، ففي «أهرام» الاثنين الماضي قال زميلنا فيها ماهر مقلد في إشارة واضحة للسعودية: «سقطت كل النظريات التي كانت تتوقع سقوط النظام السوري في غضون عام أو عامين. الحرب الأهلية الدائرة في سوريا تجاوزت عامها الرابع من دون أفق سياسي أو عسكري للحل.. وبدأت الأصوات المكتومة تتحدث عن ضرورة إنقاذ سوريا من شر العصابات والارهابيين.. ومعنى هذا، العمل على بقاء نظام بشار في هذه المرحلة. لا يمكن الآن أن يتخيل كل من يهتم بالوضع السوري رحيل نظام بشار الأسد في هذا الظرف المأساوي، الذي تمر به سوريا فمعناه باختصار ضياع هذا البلد العربي وانهياره تماما تحت وطأة التقسيم الطائفي والصراعات المذهبية. وهذا لا يعني دعما غير مشروط لنظام بشار الأسد، ولكنه في الأساس دعم لسوريا ولضمان وحدتها. سقوط نظام بشار في هذه اللحظات وبعد كل ما جرى لسوريا يعني نهاية محتملة لدولة عربية والنماذج ماثلة للعيان في ليبيا وفي العراق وفي اليمن مع وجود اختلافات رهيبة في تركيبة المجتمع السوري. هذا الواقع يفرض نفسه ويطرح السؤال، ما الذي يتوجب عمله تجاه سوريا؟ أولا من المهم إعادة قراءة المشهد السياسي والعسكري بصورة مغايرة تماما، وأن تتحرك الجامعة العربية وتراجع سياساتها باعتبارها منظمة إقليمية لا تتخذ مواقف عدائية ضد قطر عربي وإنما تبذل كل ما بوسعها من أجل أن تفعل المستحيل لوقف نزيف الدماء في هذا القطر. هناك دول عربية فاعلة بينها وبين النظام السوري خلافات تصل لحد العداء بسبب تعنت النظام السوري من قبل في ملفات لبنان وإيران، ومع هذا ما يمكن أن يواجه سوريا مستقبلا ستكون آثاره أخطر بكثير على لبنان والعراق والأردن. ومن هنا تكون البدائل على الرغم من مراراتها هي الأنسب للوضع السوري واستمرار النظام كمرحلة مؤقتة يحافظ فيها على وحدة وتماسك الجيش السوري المنهك ومؤسسات الدولة قبل أن تتحول إلى بلد بلا جيش أو مؤسسات وتحت وصاية العصابات. قطعا الغضب كبير من تعنت بشار الاسد في مواقف عديدة، ولكن من يضمن مستقبلا لسوريا الموحدة بعده؟ الوقت ليس للحساب ولكنه وقت عدم نكء الجراح ووضع مصلحة سوريا والعرب فوق كل اعتبار. والعجب أن تنشر صحيفة «الديار» اللبنانية عن عقد لقاء ثنائي في القاهرة بين الملك سلمان العاهل السعودي وبين الرئيس بشار الأسد.. وهو خبر شبه مستحيل لأن لا الأجواء تسمح بينهما ولا بشار لديه فرصة الخروج من سوريا تحت أي مسمى».

مصر وسوريا والسعودية قاطرة العالم العربي

ويوم الثلاثاء كتب زميلنا وصديقنا في «الأخبار» خبير الشؤون العربية أسامة عجاج يقول عن زيارته لسوريا: «أكتب من دمشق عاصمة الأمويين، إحدى قلاع العروبة في المنطقة، وسط أجواء من توقع حل سياسي، للأزمة التي تعيشها سوريا منذ أربع سنوات ونصف السنة، وفي ظل «عتب على قدر المحبة» للحكومة المصرية، من تأخر عودة العلاقات بين البلدين إلى سابق عهدها، فقد علمتنا دروس التاريخ، أن الأمن القومي لمصر يبدأ من طرطوس في شمال سوريا، وكشفت لنا أحداثه، أن أول تجربة وحدة بين دولتين عربيتين في العصر الحديث، ضمت القاهرة ودمشق، وكانت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي، وأكدت لنا السياسة، أن مصر وسوريا ومعهما السعودية، شركاء الإنجاز الأكبر، المتمثل في انتصار أكتوبر/تشرين الأول 1973، وأن الدول الثلاث هي قاطرة العالم العربي، فهل يعيد التاريخ نفسه؟ ويكون الوفد الصحافي المصري الذي يقوم بأول زيارة من نوعها إلى دمشق، هو «بشرة خير»، لتعود المياه إلى مجاريها بين البلدين؟ نحن نعتقد أن على الدبلوماسية المصرية، أن تكون إحدى محطات البحث عن حل، والمساهمة بإيجابية في ذلك الحراك الدولي والإقليمي، فهي مؤهلة بحكم التاريخ والجغرافيا، لدور وسيط نزيه ومقبول، بين المعارضة والحكومة السورية، ولعل الخطوة الأولى لمثل هذا الدور المصري، إعادة الاتصالات، والسعي إلى حوار مع الحكومة السورية، واتخاذ قرار باستئناف العلاقات وعودة السفراء».

أمريكا سلمت العراق لإيران
تسليم مفتاح

وإلى «الوفد» يوم السبت وزميلنا محمد الشرايدي وقوله: «تيقن للعالم أن بقاء الدولة السورية هو الحل، وهذا ما تطرحه الدبلوماسية المصرية منذ زمن، ولكن أصوات الضجيج كانت أعلى، وفي النهاية وصل الكل إلى ما طالبت به مصر، وهو الحفاظ على كيان الدولة في سوريا، وان تنظيم «داعش» همه الأول والأخير إسقاط الدولة السورية أو تفكيكها، حتى يستطيع أن يلتهم بوابة الأمن القومي المصري، بعدما سلمت أمريكا العراق لإيران تسليم مفتاح، ولم يتبق أمامهم سوى بوابة دمشق، لذا على العرب أن يستيقظوا سريعا، وربما يكون الاتفاق النووي الإيراني رسالة سريعة ومهمة للعرب، والدبلوماسية السعودية والمصرية تستوعبان ما حدث، ولكن عليهما العمل بصورة أخرى، والعمل على استعاده محور القاهرة دمشق الرياض، وعودة هذا المحور سوف تعيد للعرب موقفاً ومكانة، ولقد تمكنت أمريكا والغرب من تعطيل هذا المحور، ولكن الرياض بعد اتفاق إيران النووي أعادت التفكير مرة أخرى في القوة العربية القادرة على حماية الأمن القومي العربي».

سوريا الأرض والشعب
والوطن هي الباقية

ومن «الوفد» إلى «المصري اليوم» في يوم السبت ذاته وزميلنا وصديقنا سليمان جودة وهو ساداتي وقوله: «كان كل هدفي على مدى أسبوع قضيته في سوريا، متنقلاً بين اللاذقية، وطرطوس، وحمص، ودمشق، أن أرى سوريا الشعب.. سوريا الوطن.. سوريا الأرض.. لا سوريا الحكومة أو الحاكمة، لأن هذه الأخيرة تذهب وتجيء، ولأن سوريا الأرض والشعب والوطن هي الباقية، وسوف تبقى، ولذلك فالرهان من جانبنا، ومن جانب كل عربي معنا، لابد أن يبقى عليها هي.. لا على شيء غيرها! وربما يكون أكثر الأشياء التي تلفت نظرك بقوة هناك، أنهم لا يزالون متمسكين بارتباطهم العربي، بشكل لافت للانتباه حقاً، وسوف يدهشك أنهم متمسكون به إلى الدرجة التي يقدمونه معها على ارتباطهم الوطني ذاته! وسوف تلاحظ بقوة أيضاً، أن كل مواطن سوري لم يحدث أن زار مصر من قبل، يتمنى لو أسعده الحظ وزارها، ويبلغ به الشوق إليها أن يقول لك، أن هواه مصري، رغم أنه لم يضع قدميه على أرضنا، ولم يحدث أن تنشق هواءنا.. ربما لأنه فقط كان يتربى، منذ صغره، على أن مصر وسوريا بينهما رباط خاص.. وأن هذا الرباط قد يغيب عن الأنظار، ولكنه أبداً لا يغيب عن الوجود».

سوريا.. هل من أمل؟

وأخيرا في ما يخص الموضوع السوري نقرأ للكاتب عمرو الشوبكي في «المصري اليوم» عدد يوم السبت يقول: «دخل الشعب السوري الصابر والعظيم في دائرة جهنمية من الصراع الدموي البشع، وكلما لاحت في الأفق فرصة أو أمل في تجاوز هذا الصراع، سرعان ما يتحول إلى سراب وتنهار فرص الحل أمام جرائم النظام وجرائم «داعش»، وخطايا المعارضة المدنية.
وحين هلل أنصار الحسم العسكري لتقدم المعارضة وأغمضوا أعينهم عن أن «داعش» وجبهة النصرة هما في قلب هذا التقدم، فاجأهم جيش النظام وحقق تقدما في مكان آخر هلل له آخرون باعتباره نصرا على الإرهاب، وبدا الأمر وكأنه كر وفر في معظم الأراضى السورية يدفع ثمنه آلاف الأبرياء من أبناء الشعب السوري. حوالى ربع مليون قتيل حتى الآن وما يقرب من نصف مليون مصاب، وحوالى 4 ملايين لاجئ خارج الحدود، وبلد جرى تدميره وتخريبه وإنهاء قدراته، ويتحمل النظام السوري المسؤولية الأولى عما جرى في البلاد بصرف النظر عن جرائم الدواعش الإرهابيين، فهو مسؤول بممارساته عن نموهم وانتشارهم، وهو الذي كان (ولايزال) في يده تجديد النظام والدخول في عملية سياسية جديدة منذ أن انطلقت الانتفاضة المدنية السلمية في سوريا وقابلها النظام بالقتل والذبح. والسؤال المطروح الآن في ظل صعوبة الحسم العسكري وثمنه الكارثي على الشعب السوري، ففي حال انتصر جيش النظام وسحق معارضيه فإن هذا يعني أن مستقبل سوريا المحفوف بالمخاطر سيتحول إلى كارثة «رواندية» وسيصبح القتلى والشهداء الذين نحصيهم الآن بعشرات الآلاف بالملايين، ونحمد الله أن فرص النظام في القضاء الكامل على معارضيه مستحيلة. في المقابل فإن إمكانية إسقاط النظام السوري بالقوة المسلحة واردة، وإن كان باحتمالات ضعيفة جدا، لحسابات روسية- إيرانية في الأساس، كما أن نتائجه ستكون كارثية أيضا على الشعب السوري وستعني تحول البلاد إلى وضع أسوأ مما جرى في العراق بعد الغزو الأمريكي. والحل المطلوب هو الدخول في عملية سياسية، لايزال يرفضها النظام، تؤدي بشكل تدريجي إلى تنحي بشار الأسد والحفاظ على ما تبقى من الدولة والجيش السوري. هناك بوادر أمل قد تنقذ هذا الشعب من أكبر مأساة شهدها طوال عصره الحديث، وضعفنا جعلنا نتفرج عليها كما فعلنا مع كل مآسينا ومصائبنا.

صاحب القرار لم يعد واثقا من قدرته على القيادة السليمة

قرب الظهر كنت أستقبل المكالمة المقلقة دائما من مطابع الأهرام، أستاذ جمال: تم وقف طباعة عدد صحيفة «المصريون» الجديد بطلب من جهة ما، والمرجو إزالة مقالك المعنون «لماذا لا يتوقف السيسي عن دور المفكر الإسلامي» من صدر الصفحة الثالثة، وحذف الإشارة له في الصفحة الأولى أيضا. هذا ما بدأ به جمال سلطان رئيس مجلس إدارة «المصريون» ورئيس تحريرها مقاله مواصلا قوله: «في مثل هذه الحالات لا يكون الوقت لصالحك في الأخذ والرد والنقاش والجدل، خاصة أن الجهة صاحبة القرار لا تظهر لك في الحوار، وإنما يأتي صوتها من وراء ستار الإجراءات وجهة الطبع التي تتعامل معها، وتأخير الطباعة يعني أن تخسر قسما من سوق التوزيع لهذا اليوم، لأن هناك ترتيبات للطباعة ـ حسب الدور ـ إذا فاتك الوقت يمكن أن تطبع بعد منتصف الليل، إذا تم السماح بعدها بالطباعة بدون تعديل، ولذلك كنت مضطرا للاتصال بالزملاء في قسم التنفيذ في الصحيفة لكي أطلب منهم إعادة تعديل الصفحة الأولى والثالثة والرابعة أيضا، حيث كان هناك تقرير عن زيارة السيسي لبريطانيا، وتم الاعتراض عليه هو الآخر. عدت إلى المقال المشار إليه وأعدت قراءته لأعرف ما الذي أزعجهم فيه، ناهيك عن أن أكون قد خرجت على أي قاعدة قانونية أو حتى أمر يتعلق بالأمن القومي للبلد، فلم أجد شيئا، مجرد نقد صحافي لبعض نشاطات الرئيس عبد الفتاح السيسي، ربما كان النقد قاسيا وشديدا، ولكنه في حدود القانون وبدون أي إساءات أو خروج على مقتضيات العقلانية السياسية وأخلاقياتها التي نحرص على الالتزام بها من غير رقيب، سوى احترامنا لأنفسنا ورسالتنا والقيم التي تربينا عليها، وملخص المقال، وهو متاح بكامله أمام قارئ الموقع الإلكتروني، أنه لا يصح أن ينشغل الرئيس بالحديث المستمر يوميا أو أسبوعيا عن تصحيح الفكر الديني وتجديد الخطاب الديني وصحيح الدين وفهم القرآن وفهم السنة ويعطي التوجيهات والمواعظ لعلماء الأزهر في ذلك، فهذا ليس دوره، لأنه رجل دولة وليس رجل دين، كما أنه غير مؤهل علميا للخوض في مثل هذه الأمور، وأن الاستغراق فيها يعطي الانطباع بأنه هروب من مواجهة مسؤوليات الدنيا لإغراق الجميع في أوهام أزمة في قضايا الدين، وتحويلها لشماعة نعلق عليها فشلنا أو عجزنا عن الإنجاز الحقيقي في النهوض بالبلاد واقتصادها وأمنها وأمانها وصحة المواطنين والتعليم والبنية الأساسية وغيرها، هذا كل ما في المقال، فهل هذا الكلام يستحق المصادرة …. أشعر بأن الصدور تضيق تدريجيا في مصر، وأن مساحات الحرية القليلة المتبقية تتآكل بصورة مخيفة وبوتيرة متسارعة، والخطير في هذا الأمر أنه لا يعطي إشارة ثقة نحو المستقبل، حتى بغض النظر عن قضية الحريات بما فيها حرية الصحافة، وإنما القصد أنه يشعرك بالقلق على البلد كله، لأن هذا السلوك، في هذا الزمن الجديد، يعني أن صاحب القرار لم يعد واثقا من سلامة الطريق أو قدرته على القيادة السليمة والحكيمة والآمنة» .

مأساة مسيحيي الشرق

وننتقل الآن إلى «الشروق» عدد يوم أمس الأحد ومقال الكاتب عمرو حمزاوي عن مسيحيي الشرق وقوله: «لا، ليس القدر هو المسؤول الأول عن مأساة مسيحيي الشرق التي صرنا نشاهد يوميا خرائط الدماء والدمار والتهجير والنزوح والارتحال المترتبة عليها، بل هي إخفاقات مجتمعاتنا وعجزها عن التأسيس الفعال لثقافة قبول الآخر والتسامح ومواطنة الحقوق المتساوية والبناء الديمقراطي والتنموي. هي إخفاقات مجتمعاتنا وعجزها عن التخلص من مصائر الاستبداد والسلطوية والإرهاب والعنف التي تستبيح دماء الجميع.
تلاحقنا الفواجع من إعدام مجرمى «داعش» لعالم آثار سوري أمضى عمره في حماية تراث الإنسانية الرائع في بالميرا/ تدمر، من جرائم ضد الإنسانية وجرائم قتل جماعي يرتكبها نظام الأسد وعصاباته، من تفجيرات إرهابية تتحرك على امتداد القطر المصري مخلفة وراءها الدماء والدمار وموقعة لضحايا من مدنيين وعسكريين تتراكم قوائم أسمائهم فارضة للحزن كشعور عام، من انتهاكات للحقوق وللحريات وممارسات استبدادية تتورط بها منظومة الحكم في مصر وتنتهك بفعلها قيم العقل والعدل والحرية والكرامة الإنسانية وتفرض عبرها الخوف شعورا عاما موازيا للحزن، من عمليات قتل وانتهاك لحق الناس المقدس في الحياة تتسع دوائره من العراق وبلدان الخليج العربي واليمن إلى ليبيا وتونس.
تلاحقنا الفواجع هذه، وفي أودية غير بعيدة عنها تتوالى فصول مأساة مسيحيي الشرق بين العراق وسوريا. تستبيح عصابات «داعش» دماء وحقوق وكرامة السكان المسيحيين في العراق، فتنزل بهم طاعون القتل والتهجير والاغتصاب والاختطاف وانتهاك الأعراض وتنزل ببلداتهم جرائم التخريب والتدمير. تستبيح عصابات «داعش» دماء وحقوق وكرامة السكان المسيحيين في المناطق السورية الواقعة تحت سيطرتها، فتنزل بهم الطاعون ذاته والجرائم ذاتها. يهدم دير مار إليان السرياني بالقرب من مدينة حمص، ويسبق التهديم الإجرامي اختطاف الآباء القائمين على الدير وترحيل السكان المسيحيين اختطافا إلى مناطق أخرى، وتليه تهديدات متصاعدة من عصابات «داعش» لمسيحيي الشرق الذين ينزع عنهم المجرمون هوية وكرامة الإنسان ويتجاهلون مواطنتهم وحقوقهم وحرياتهم الخاصة والعامة … يحزنني أن تقف بعض مجتمعات وبلاد العرب على حافة هذه الهاوية المأساوية، يحزنني أن يفرض علينا طرح السؤال بشأن مصائر مسيحيي الشرق وما الذي سيتبقى منهم ومن دور عبادتهم ومن بلداتهم ومن تراثهم الحضاري والإنسانى العظيم، يحزنني أن أقرر أن المسؤولية عن مأساة مسيحيي الشرق تعود للاستبداد والسلطوية ولآفات الإرهاب والعنف والتطرف الممسكة بمجتمعاتنا وأن استمرارية متواليات الاستبداد والإرهاب يرتبها عجزنا نحن شعوب العرب عن الانتصار للديمقراطية والعدل والحق والحرية دون خوف ودون تردد ودون مراوحة بين محاولة جادة للبناء الديمقراطي والتنموي ثم انسحاب منها وأعتذر عنها على ما يحدث فى مصر خلال العامين الماضيين…. تحزنني مأساة مسيحيى الشرق، كما تحزنني مأساتنا جميعا كمواطنات ومواطنين تنزع عنهم الحقوق والحريات وتهدر كرامتهم الإنسانية، ثم أتذكر أديرة الــسريان الجميلة على جبل لبنان وتراتيل الصلاة ذات المقامات الموسيقية العربية والشرقية البديعة ووجوه الناس التي لم تتغير منذ قديم الزمن وتهدد الهمجية اليوم بمحو صفحتها من وجه عالمنا الحزين».

التخبط ورشاوى
إسقاط الديون

ونبقى في العدد نفسه من «الشروق» ومقال الكاتب محمد مكي عن التخبط ورشاوى إسقاط الديون يقول: «حكومات متعاقبة دأبت على تقديم رشاوى في صور مختلفة للحصول على تعاطف أو تأييد، كان أكثره وضوحا في موسم الانتخابات في عهد المخلوع حسني مبارك، فقبل كل انتخابات كان يسقط بعض ديون لفلاحين، ومتعثرين، وهو ما حوَّل عددا من البنوك إلى خرابات، ومن رحمة الله أن معظم تلك الخرابات اختفت قبل أن تحدث ثورة 25 يناير/كانون الثاني العظيمة، التي بلا شك أثرت على وضعية الاقتصاد، مبارك ورجاله كانوا يمنحون بغرض لكثير من المؤسسات والفئات، ومن الخطأ أن تعود تلك السياسات حتى لو كانت بدافع الحفاظ على بعض الكيانات الوطنية من مصانع وشركات وصحف وتلفزيون، فإسقاط الديون من دون سند أخلاقي أو قانوني تدمير للمستقبل، فكيف تسقط ديون عن مؤسسات نخر فيها الفساد من دون حساب، والأدهى أن يحصل الأفراد بداخلها على أرباح، الديون التي تسقط هي أموال دافعي الضرائب ومواطن أصبح لا يجد، إذا أردت الإصلاح فحاسب المقصر ولا تكافئ مؤسسات أصابها الوهن وتراجعت في الإنتاج والتأثير. مع التأكيد على أن وجود شركات ومؤسسات وطنية ضرورة حياة للمصريين، مع عدم إغفال المحاسبة والمنح يكون مرتبطا بالإنتاج. وفي المقابل لا تكافئ القطاع الخاص ولا تعطيه أكثر مما يستحق، ولكن تعامل معه بشفافية من دون تخبط يحسب عليك، فقد حدث في العام ونصف العام الأخير فيضان قانوني وإداري وتشريعي، كان الارتباك عنوانا له، خذ منها ارتباكا كبيرا في السياسة المالية في ما يخص قوانين ضريبة البورصة وضريبة الدخل، سواء للأفراد أو الشركات، قرارات تجميد ومصادرة لكثير من رجال الأعمال وأحكام تنفى أخرى، وخسارة البورصة يوميا حتى بعد المناسبات الوطنية دليل على عدم وجود «مخرج» يضبط الصورة التي تتحسن وسرعان ما تسوء. نحتاج إلى عدالة ناجزة تنهي ما تعانيه مصر من تأخير في القوانين، وتحفز المستثمرين على العمل وليس لمكوث في جلسات المحاكم، فإن كانت السنوات الأخيرة من عهد مبارك قد شهدت صعودا لرجال الأعمال، بعضهم عاد يتصدر المشهد الآن، فلا يمكن أن تكون الفترة الحالية عقابا لبعضهم حتى لو اختلف مع النظام سياسيا، وكلنا نعرف أن «المال جبان» ويعيش مع الأنظمة بقدر ما توفره لمصالحه».