أشرف الطريبق

&كشأن جميع دول العالم، لا يحيد المغرب عن قاعدة « نفوذ اللوبيات »، التي تعتبر قوى ضغط لفائدة تجمع مصالح معينة، تهدف من خلال تحركاتها، حماية مصالحها والدفاع عنها بكل ما أوتيت من قوة، بل وتسأل « هل من مزيد ؟ ».

تختلف أشكال اللوبيات بالمغرب بحسب اختلاف محاضن تأسيسها، فهناك اللوبيات القبلية التي تحاول من خلال علاقات الانتماء إلى القبيلة ضمان مصالحها الخاصة ولو كانت ضد مصلحة الوطن، (هذا في السر طبعا، لأنه لا أحد يجرأ أن يقول أنه ضد الوطن)، ومن أهم هذه اللوبيات التي يسيطر عليها الأعيان والشيوخ، « لوبيات الصحراء » بمختلف قبائلها، « لوبيات الريف » الموزعة من الناظور شرقا إلى طنجة غربا، أعيان فاس والعدوتين (سلا والرباط)، وما سار حذوهم. في الواقع هي لوبيات ممتدة عبر التاريخ، راكمت نفوذها عبر إبرامها لاتفاقات في الباطن مع الدولة المركزية، تسلمها هذه الأخيرة امتيازات ضخمة مقابل البيعة، وضمان ولائها والتحكم في سكان مناطقها الجغرافية، هذه اللوبيات « المنشارية » تستفيد من الجهتين، من النظام الحاكم، ومن رعايا النظام أيضا، لأنها تستغلهم كما شاءت وتنال من مقدراتهم ومن مدخراتهم، بل وحتى من أصواتهم في المحطات الانتخابية.

هناك « الزوايا » أو اللوبيات الدينية »، التي تنصب نفسها مشرفة على تدين الأشخاص والمجتمعات، هي ظاهرة قوية التواجد والنفوذ في المغرب، لا يمكن تجاهلها في أي سياسة مركزية، تمتد عبر مختلف ربوع المغرب، وتتفاوت قدراتها بحسب قربها وبعدها عن النظام الحاكم، وتحاول أن تحذو حذوها بعض التجمعات يطلق عليها إسم « الاسلام الحركي » والتي تجاوز بعضها رسائل « الدعوة » و « التربية » و »التكوين »، إلى النبش في بنية النظام وطرح الخلافة، وممارسة الاصطفاف والتحكم والتدخل في مؤسسات أخرى، وتبقى رغم محدودية تحركاتها « لوبيات »، تتمتع ب « شرعية التصنيف ».

ورغم أن الدستور وقانون الأحزاب السياسية منعا بوضوح النص، تأسيس أحزاب على أساس ديني أو عرقي أو جهوي…. إلا أن الواقع كان أكثر تأثيرا من النص القانوني، إذ لا يخلو حزب من تأثير نفوذ لأمثال هذه اللوبيات باختلاف مواقعها الجغرافية، بل وأصبح من شروط تأسيس الحزب (الواقعية وليس القانونية)، سؤال: ما هي الكثلة الضاغطة التي يبنى عليها: هل الريف؟ أم الشلوح؟ أم الصحراء؟ هل ينتمي إلى المعسكر اليميني المتشبت بالمرجعية الدينية، أم إلى المعسكر اليساري أو الحداثي المتشبع بقيم الانفتاح والحرية المطلقة والدفاع عن حقوق الانسان….وأسئلة أخرى…

وهذا ما يجعل العمل السياسي متحكما به من خارج اللعبة السياسية، عن طريق ترغيب وتقريب المؤيدين وترهيب المعارضين المخالفين وتهديدهم بالطرد، حسب درجة البعد والقرب من أصحاب اللوبيات. فيصعب أن يعيش المشاكس « لإلياس » في حزب الأصالة والمعاصرة، والشخص الذي لا تربطه علاقة بحركة التوحيد والاصلاح في حزب العدالة والتنمية، والمغربي الذي لا ينتمي إلى قبيلة الشلوح تحت جلباب « الحركة الشعبية »، والأمثلة كثيرة والاستثناءات واردة…..

طبعا أشكال اللوبيات تمتد إلى لوبيات « الجيش » التي ترفض كل دعوات النقاش والاختلاف بداخلها، والكشف عن مواطن الفساد بها، ولوبيات الاقتصاد سواء بقطاع الأبناك الذي لا يزال يناور في إفشال ولوج الأبناك التشاركية إلى السوق المغربي، ولوبيات البناء التي نهبت المال العام عبر تقديم منتوجات سكنية رديئة، تتجاوز هوامش الربح فيها حدود الخيال، ولوبيات الإعلام « النخبة » التي تعتبر الإعلام ملكية خاصة لها، تطبق فيه إيديولوجياتها، وتوظف فيه أبناءها، وتربح فيه الملايير عبر شركات وهمية مقنعة، وهلم جرا…

لا ننسى أيضا « لوبيات البحار » التي سيطرت على واجهتين بحريتين عريضتين، لتمتص دم البحار الفقير بدريهمات معدودة، وتحرمه من أبسط حقوقه حتى أصبح عبدا في زمن « تحرير الرق » بسبب غياب قانون ينظم مهنته، لتضمن شرعنة النهب والاستيلاء على ثروات المغرب السمكية.

تختلف المسميات والقطاعات والمناطق والقبائل، وتبقى اللوبيات شامخة لا يهزها ريح، ولا يشوش عليها مخلوق، ومن تجرأ للحديث عنها حاربته ، وطردته من عمله، وحزبه بل وطلقته من حليلته، ولولا بقايا إيمان، لوجدت جثته مشنوقة معلقة على جدار، نصبت نفسها حامية للقبيلة والبلد والنظام، لا ترضى بغير التطويع والخضوع. وما نشهده من ديمقراطية في بعض اللحظات، لا يكون إلا نتيجة صراعات مؤقتة بين الإخوة اللوبيات، لا تلبث أن تتصالح فيما بينها، لتتراجع عن ما قدمته لفائدة الشعب..

لكن من تراه يتحكم فيها ويبقيها كالأسود المروضة، من الذي يصالح بينها إذا تعاركت، من الذي يجندها ويجيشها تجاه كل عدو من الخارج، سواء كان « بوكيمونا »، أو جارا شقيقا، أو دولة عظمى تنكرت لنا، من يتدخل لتهدئة الشجار « المفتعل أصلا » بين البام والبيجيدي، من يجعل من أحزاب الكثلة الديمقراطية التاريخية ملحقات لحزب التحكم، من يجعل جنرالات الجيش تماثيل جامدة بلا روح، تنتظر لقاء ربها، من يصير جهة الرحامنة من عاصمة للتين الشوكي، إلى منارة « للعلم والمعرفة »…. أظنكم عرفتم « معنى الدولة العميقة »، هنيئا لكم…