قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

إميل أمين

سيدي الرئيس دونالد ترامب، الرئيس الخامس والأربعون للولايات المتحدة الأميركية. أهنئكم باختياركم رئيساً للجمهورية الأميركية، وها هي أيام قليلة قد مضت منذ شغلتم المقعد الأهم حول العالم، كرسي الرئاسة للدولة رقم واحد، حتى وإنْ كانت تقترب من مرحلة «الأول بين متساويين». كان شعاركم في الحملة الانتخابية «أميركا عظيمة مرة أخرى»، فهل تعرفون حقاً أي طريق يؤدي بأميركا إلى العظمة؟

هناك ركيزتان أساسيتان شكلتا العقل الأميركي منذ بدايات الاتحاد: الأولى هي «القدر الواضح» بمعنى أن أميركا ليس لديها أي خيار في قيادة العالم نحو المدنية والفضيلة، بل هو قدرها الذي ليس بوسعها أن تفر منه.

والثانية أنها «مدينة فوق جبل» تتطلع إليها عيون الناس وتدهش من نموذجها في الحال، وتسعى إلى محاكاتها في الاستقبال.

ليست إذن سيدي الرئيس «القوة الخشنة أو الجافة»، هي التي تُكسب أميركا قوتها ومنعتها، بل وعظمتها التي تتطلع إليها من بدايات أيام رئاستكم، ذلك أنه وإنْ ظلت بلادكم هي الأقوى عسكرياً برؤوسها النووية وأساطيلها الحربية، فإنها لا تستطيع أن تحافظ أو بالأحرى تنشر السلام والرخاء الدولي على حسابها الخاص وبمعرفتها هي وحدها. يتساءل العالم، ماذا لديكم سيدي الرئيس لتكون أميركا عظيمة في عهدكم؟

تخبرنا سيرة الرؤساء الأميركيين أن هناك بعض الأسماء بلغت بالفعل مرحلة من العظمة، منهم على سبيل المثال لا الحصر «إبراهام لنكولن»، الذي أنقذ الجمهورية، و«فرانكلين روزفلت»، الذي أعطى الولايات المتحدة محيطات العلم، فيما أن الثالث رونالد ريجان قوّض الاتحاد السوفييتي، وأعد المسرح للامبراطورية الأميركية. ذات مرة في أوائل الستينيات من القرن المنصرم سأل الشاب الأكاديمي «هانز ألفريد كيسنجر» الرئيس الأميركي الثالث والثلاثون «هاري ترومان» عن سر اعتزازه برئاسته، فأجاب: «لقد ألحقنا هزيمة كاملة بأعدائنا ثم أعدناهم إلى أسرة الأمم. أميركا وحدها كان من شأنها أن تفعل هذا».

كان مصدر فخر «ترومان» الأول متمثلاً قبل كل شيء في قيم بلاده الإنسانية والديمقراطية، وأراد أن يتم تذكره مع مصالحات أميركا أكثر من الانتساب إلى انتصاراتها العسكرية.

هل بمقدورك سيدي الرئيس ترامب أن تعيد تجميع الأسرة الأممية بوصفك الأخ الأكبر بالمعنى الشرقي الإيجابي والخلاق، لا المعنى «الأورويلي» الذي حوّل بلادكم من قلعة للحرية إلى جمهورية من الخوف كما تقول وزيرة خارجية بلادكم السابقة مادلين أولبرايت؟

يمكن للولايات المتحدة سيدي الرئيس أن تعود إلى لعب أدوار تجعل قلعتها فوق جبل العالم، تضاء من جديد بأنوار الأمل والمحبة والرجاء، وذلك عبر سياقات المساهمة الفعالة في الحد من أزمة تغير المناخ التي تكاد تذهب بالبشرية، وبمحاربة الأوبئة، والكفاح ضد الجوع عار الإنسانية في حاضرات أيامنا، والحد من انتشار المخدرات، والعمل على إعادة الاستقرار للنظام الدولي المرتبك والسعي لوقف الحروب الأهلية.

الرئيس ترامب..هل لي أن أحدثكم عن الشرق الأوسط؟

إنكم تحلمون بإنجاز تاريخي يضمن لاسمكم مكاناً بارزاً في سجل القياصرة الأميركيين، وأنتم تعلمون أن هناك إشكالية الإرهاب الأعمى الذي يضرب العالم عامة، وتلك المنطقة خاصة، عطفاً على حجر العثرة فيها والمتمثل في القضية الفلسطينية، كيف لك أن تحل في قلوب وعقول الشرق أوسطيين والعرب والمسلمين؟ سنتناسى تصريحات الحملة الانتخابية والتفسيرات المختلفة، التي روجت عن رؤيتكم للإسلام والمسلمين، وفقط دعني أذكركم أنها ليست حرب أديان ولا حضارات بشهادة الجالس سعيداً على كرسي ماربطرس، البابا فرانسيس بابا روما، ورأس الكنيسة الرومانية الكاثوليكية، إنها حرب تستخدم فيها الأقلية الراديكالية المسلمة العنف لتنفيذ نسخة مبسطة أيديولوجياً في إقليمها، ومحاولة نشرها على الاتجاه الإسلامي العام، الذي غالباً ما يرفضها ويحمل آراءً متنوعة بشكل أكبر.. لذا عليكم أن تحاذروا في حربكم المتوقعة ضد الإرهاب من الوقوع في الفخ الذي سبقكم إليه بعض رؤساء بلادكم، وها هي أميركا غير قادرة على الخروج من مستنقعي أفغانستان والعراق.

أما القضية الفلسطينية فالجميع يخبرونك من هنا: «إلا القدس يا مولاي» فهي زهرة المدائن في القلوب والعقول. الشرق الأوسط سيدي الرئيس ترامب والعالم العربي في انتظار سردية «المصالحة والتصالح» برعاية أميركية تنبذ الغزو الإقليمي، وتحترم السيادة القومية الوطنية، وتتبنى المزيد من مبادرات التنمية الاقتصادية والتعليمية، وتنمية مؤسسات المجتمع المدني الوطنية.

سيدي الرئيس: احذَر أخطاء سلفكم «باراك أوباما»، الذي جعل «أميركا قوة عظمى مترددة»، العالم يحتاج إلى إقدامكم لا إحجامكم، ولا أحد يحاجج في الدور الأميركي الخلاق والحيوي بعد الحرب العالمية الثانية، ويمكنكم أن تعيدوا لأميركا سيرتها الأولى بمزيح من الواقعية والليبرالية معاً.

أميركا العظيمة التي تريدها سيدي الرئيس، تحتويها القاعدة الذهبية التي تقول: «من أراد أن يكون سيداً للكل، فليكن خادماً للكل». عندها يمكن أن تنير أضواء واشنطن من جديد للعالم بأجمعه، وتستعيد بلادكم عظمتها كأرض للبيورتانيين وكنعان جديدة للمعذبين في الأرض.