: آخر تحديث

رحل الرجل في أدق ظرف يعيشه كُردستان

العراق وميراث مام جلال: رحل الرجل في أدق ظرف يعيشه كُردستان

 رحل الرئيس العراقي السابق والزعيم الكُردي جلال الطالباني في لحظة سياسية استثنائية من التاريخ الكُردي والعراقي المُعاصر. فالدولة العراقية بموقعها وهويتها وجغرافيتها ووحدتها السُكانية مُقبلة على أكبر امتحانٍ في تجربتها الحديثة التي طالت قُرابة قرن. رحل مام جلال- العم جلال، كما تُفضل اللغة الشعبية الكُردية أن تُسميه، في وقت أحوج ما تكون فيه القوى السياسية والأهلية العراقية لسياسيين قادرين على اجتراح توافقات ومساومات ومساحات مُشتركة بين مُختلف المُتخاصمين.

كان المام جلال يملك قُدرة استثنائية في ذلك الاتجاه، لأنه كان يجمع في تاريخه وشخصيته سمات مُركبة غير متوافرة لدى غيره من السياسيين العراقيين. إذ لم يكن قومياً كُردياً تقليدياً، بل كانت تجربته السياسية في الدفاع عن الحقوق القومية الكُردية مُطعمة بشبكة واسعة من الصداقات والعلاقات والروابط السياسية والثقافية مع نظرائه من العالم العربي. كان جلال طالباني يعتقد بأن المسألة الكُردية، خصوصاً في حيزيها العراقي والسوري، لا يُمكن فصلها عما يجري في العالم العربي، بتوازناته وتحولاته وتناقضاته، التي يجب الاستفادة منها والبناء عليها لأقصى درجة مُمكنة، خدمة للقضية الكُردية. كما أن هذه القضية الكُردية لا تتناقض مع القضايا العادلة لشعوب وجماعات هذه المنطقة، بالذات القضية الفلسطينية، المُطابقة لنظيرتها الكُردية في أكثر من بُعد.

***

وفق السيرة السياسية المُتداولة للمام جلال، فإن بداية نشاطه السياسي تعود إلى الثلث الأخير من أربعينات القرن المُنصرم. أي إلى الوقت الذي كانت جميع التجارب القومية الكُردية الارتدادية عن نتائج الحربين العالميتين الأولى والثانية قد صُفيت تماماً، وعلى رأسها انهيار تجربة «جمهورية كُردستان» التي أُعلنت في مدينة مهاباد عام 1946.

بدأ المام جلال نشاطه من لحظة الصفر السياسي الكُردية. اختبر خلال سنوات الحُكم الملكي تجربة حريات سياسية ومدنية متواضعة، استغلها لأقصى درجة مُمكنة في نشاطه السياسي ضمن اتحاد الطلبة الكُرد.

لكن انقلاب عام 1958 خلق تحولاً جوهرياً في مسيرة المام جلال. فعودة الملا مُصطفى البارزاني من منفاه السوفياتي، أذنت بانتعاش الحياة السياسية الكُردية في العراق، مع مزيدٍ من حرية العمل السياسي المُتوافق عليها مع النِظام الذي أسسه عبد الكريم قاسم. ووجد السياسي اليافع نفسه في قلب الصراع السياسي الكُردي. فهوية الحزب الديموقراطي الكُردستاني العراقي كانت متجاذبة بين شخصيتين: الملا مُصطفى البارزاني، بما كان يُمثله من ثٌقل رمزي كمقاتلٍ وقائد عسكري في جمهورية مهاباد، وسليل عائلة دينية وعشائرية، مُحافظة لكن رائدة في العمل القومي، وبين شخصية السكرتير العام للحزب، الشاعر والكاتب إبراهيم أحمد، المثقف العُثماني التقليدي والموظف المديني المُنتمي للطبقة الوسطى.

لأسباب كثيرة مال المام جلال لأن يؤازر إبراهيم أحمد، من أكثرها وجاهة أنه لم يكن يملك أية حظوة لمُنافسة الملا مُصطفى وعائلته في زعامة جناحهم في الحزب، مثلما فعل مع جناح إبراهيم أحمد عقب انشقاق الحزب الشهير عام 1964. فبعد سنوات قليلة، وعقب انهيار الحركة الكُردية المُسلحة بعد اتفاقية الجزائر الشهيرة بين العراق وإيران عام 1975، باشر المام جلال خلق زعامة سياسية كُردية موازية لزعامة العائلة البارزانية، عقب تأسيسه لحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني في ذلك العام.

***

منذ ذلك التاريخ كان المام جلال قد طور ثلاثة مستويات جديدة في الفكر القومي الكُردي، والتي تأثرت به بقية المكونات السياسية في مُختلف المناطق الكُردية. استطاع أن يخلق توازناً مُحكماً بين النِضالين القومي والاجتماعي ضمن الحركة التحررية الكُردية. كان يعتقد بأن الأحزاب الكُردية التقليدية مُنذ الحرب العالمية الأولى لم تُحقق شيئاً له قيمة بسبب طبيعة المُجتمع الكُردي شبه البدائي. فالكُرد لن يستطيعوا تحقيق أي من مطالبهم طالما المُجتمع الكُردي مُتحكم به من قِبل طبقتي الملالي الدينية وزُعماء العشائر الاقتصاديين، والموالين تقليدياً لقوى الهيمنة على المناطق الكُردية، وأن الحركات التحررية لن تستطيع جذب المُجتمع الكُردي من دون تحريره من هيمنة هاتين الطبقتين عليه.

كان على حذرٍ دائم من مسعى مُنظري الصراع الطبقي لتغطية البُعد القومي الهوياتي للمسألة الكُردية، مثلما كان يفعل الحزب الشيوعي العراقي، حيث كانت أدبياته تُرجع المسألة الكُردية إلى مُجرد مسعى لتحرر الكُرد من سيطرة طبقاتهم التقليدية.

لقد خاض الاتحاد الوطني الكُردستاني بقيادة جلال الطالباني هذا الصراع المُزدوج طوال عُمرهِ السياسي، وهو أمر اتخذه العديد من خصومه السياسيين أداة لمُحاربته، لأن هذا الموقف كان يعني وضع الحزب في مواجهة الطبقة «الأقوى» والأرسخ من المُجتمع الكُردي.

المستوى الآخر تمثل بقدرة المام جلال على التعامل مع تناقضات أنظمة المنطقة. فحزبهُ تأسس في مدينة دمشق، وبتوافقٍ مع الجناح السوري لحزب البعث، وذلك لمحاربة الجناح العراقي من الحزب نفسه. كان جلال الطالباني يعتقد بأنه على الدوام ثمة تيارين سياسيين متباينين في منطقة الشرق الأوسط، وأن أي حزبٍ أو حركة لا بُد لها من أن تملك علاقة وثيقة مع واحد من هذين التيارين، أياً كانت سماته، فمعاداة التيارين في أي وقتٍ كان، تعني انتحاراً سياسياً اختيارياً.

في مرحلة أكثر تقدماً، استطاع الاتحاد الوطني الكُردستاني أن يتخذ مسافة متوازنة من هذه المحاور الإقليمية، من النِظام السوري ونظيره العراقي، ومن الولايات المُتحدة وإيران في الآن ذاته. فالمام جلال كان يعتقد بأن كُردستان العراق يشغل مساحة ودوراً هامشياً في معادلة المنطقة، وأن أي استقطاب حاد قد يدفعه لمواجهة غير متوازنة.

رأى جلال طالباني استحالة فصل المسألة الكُردية في كُل دولة، وبالذات في العراق، عن الوضع العام لتلك الدولة. لذا فإن النضال السياسي الكُردي لا يُمكن أن يُحتكر في المساحة الكُردية الخاصة، بل يجب أن يمتد ليكون جزءاً حيوياً من عملية التحول التي قد تشهدها هذه الدول.

***

غياب المام جلال عن المُجريات العراقية اليوم يبدو واضحاً، وعلى أكثر من محور.

داخلياً، تبدو القوى الكُردية أقل ثقة ببعضها البعض مما كانت عليه حين وقعت الاتفاقية الاستراتيجية بين الحزب الديموقراطي الكُردستاني والاتحاد الوطني الكُردستاني، حيث كان المام جلال الضابط والراعي لتلك الاتفاقية. فتوتر العلاقة بين الحزب الديموقراطي الكُردستاني وحركة التغيير الكُردية «كوران»، تُشكل أكبر خطر على استقرار الحياة السياسية والعامة في الإقليم.

الأمر نفسه ينطبق على الأحوال الداخلية لحزب الاتحاد الوطني الكُردستاني الذي تراجعت فيه المؤسساتية وكثرت فيه مراكز القوى والشخصيات المُتنافسة. هُنا بالضبط يُسجل الكثيرون على المام جلال انشغاله بالعمل الديبلوماسي والعسكري، ومن ثُم بالشؤون العراقية العامة المعقدة، ليترك حزبه من دون متانة بيروقراطية ومؤسساتية جاهزة للحظة غيابه.

على أن أوضح غيابٍ لدور جلال طالباني هو في خطابات القطيعة التي تظهر في العلاقات العربية الكُردية الراهنة في العراق، أو في تعامل الدول الإقليمية مع إقليم كُردستان.

حقق جلال الطالباني كُل شيء يُمكن أي شخص أن يحققه خلال سنوات عُمره. فمن شخصٍ مولود في قرية جبلية تقليدية معزولة، وواحد من أبناء جماعة أهلية قومية معزولة ومهمشة في المنطقة، استطاع أن يخلق لنفسه وحزبه وقوميته مكانة في حركة التاريخ. وبقي شخصية اجتماعية وثقافية عامة، قريبة للناس العاديين وحيواتهم البسيطة.


عدد التعليقات 9
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
1. اقامة دولتي ارمينيا
واشور وتعويض الارمن - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 10:12
لا استقلال للاكراد المستوطنين المحتلين في اراضي ارمينيا واشور المحتلتين فالاكراد ادا ارادو دولة مستقلة فداك يجب ان يكون على الاراضي الكردية ان وجد وليس على الاراضي الارمنية والاشورية ومعاهدة سيفر 1920 رسمت حدود ارمينيا واشور المحتلتين ونحدر الاكراد من اي محاولة لاعلان دولة في ارمينيا واشور حسب سيفر لان سيفر سيطبق قريبا وتركيا ستقسم واثار الابادة الارمنية والمسيحية 1878 - 1923 ستزال ودلك باقامة دولتي ارمينيا العظمى واشور وتعويض الارمن والمسيحيين ومعاقبة المجرمين قتلة الارمن والاشوريين واليونان والايزيديين من اتراك واكراد وفان او وان مدينة ارمنية محتلة وسترجع لارمينيا لا دولة كردية في ارمينيا واشور حسب سيفر لا كردستان في ارمينيا الويلسنية حسب سيفر
2. رفضت زوجته لف جثمانه
بالعلم العراقي - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 12:56
ماما جلال هو ليس اكثر من مهرج سرك
3. العراق كان مدمرا ٢٠٠٣ ركض
Rizgar - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:35
العراق كان مدمرا ٢٠٠٣ ركضن القادة الكورد الى بغداد ,اسسوا العراق مرة اخرى من حسن نية او ربما من الغباء لعدم فهمهم للذهنية العربية .نفس قصة Frankensteinرواية للمؤلفة البريطانية ماري شيلي صدرت سنة ١٨١٨ تدور أحداث الرواية عن طالب ذكي اسمه فيكتور فرانكنشتاين ,ويبدأ فرانكنشتاين بخلق مخلوق هائل الحجم غاية في القبح والهمجية ,وقبل أن تدب الحياة فيه ببرهة يهرب من مختبر الجامعة، ويبرر المسخ أفعاله دائما ,يعود فرانكنشتاين إلى بلدته ويتزوج ولكن المسخ يقتل زوجته في نفس ليلة العرس. يموت أب فرانكنشتاين حزنا من الأحداث الرهيبة التي قاستها العائلة من المسخ. يقرر فرانكنشتاين البحث عن المسخ ليقتله ....ولكن قبل فوات الاوان .قصة الكورد نفس القصة اسسوا المسخ والمسخ وراء قتل وابادة الكورد اليوم . يا للهول والفاجعة والغباء
4. هل تعرفون ان هنالك قنات
卡哇伊 - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:36
هل تعرفون ان هنالك قنات تلفزيونية شيعية يشتم مسعود البارزاني ٢٤ ساعة , وصور كاريكاتيرية لمسعود ......... ومسبات بالجملة . القنات كان مختصا بشتم ابوبكر وعمر سابقا . اتصل بالقنات التلفزيونية حتما لديهم فرص العمل لك .
5. الناس الي يسمون نفسهم آشوريين
dna - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:38
الناس الي يسمون نفسهم آشوريين الان هم ليسوا الآشوريين قبل الميلاد هم نساطرة آراميين الآشوريين انقرضوا وانتهوا لكن قبل الاحتلال البريطاني للعراق قاموا بتسمية الآثوريين آشوريين لأسباب سياسة فقط وهؤلاء الان الذي يسمون نفسهم آشوريين هم مسيرين للشفقة أنتم لستم آشوريين أنتم نساطرة كفاكم تزويراً للتاريخ وابحثوا بالنت اذا ما تصدقوناثبتت البصمة الوراثية (الحمض النووي) DNA ان النسطوريين خليط من الشعوب والسلالات ولا يجمعهم الا شيء واحد وهو الدين فقط حالهم حال المسلمين والهندوس والبوذيين إلخ.. يعني هم دين و ليسوا عرق أساساً
6. الفلاحون الكورد
فلاح - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:40
الفلاحون الكورد ....استلام الحنطة والشعير من الفلاحين الكورد وعدم اعطاء المستحقات المالية للفلاحين الكورد منذ ٢٠١٤بعكس الفلاحين العرب حيث يستلمون مستحقاتهم المالية سنويا بدون مشكلة عمل عنصري حقير , منافي لمبادئ المساواة ل UN , التفرقة العرقية عمل لا اخلاقي
7. نحن نحب اللادينييون
♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ ♥ - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:41
نحن نحب اللادينييون والمسيحية والمسيحيين، واليهودية واليهود، والبوذية والبوذيين، والهندوسية والهندوس، والوثنيين واوثانهم، وعبدة الابقار ابقارهم، وحتى عبدة الحمير وحميرهم، وكل الاديان والمعتقدات والافكار والايديولوجيات التي لم ولا تعادينا، ونحن نحب كل البشرية وكل من لم يظلمنا ولا احتل ارضنا ولا سفك دماءنا ولم يذلنا، ونحب اكثر كل من دعم حقنا في الحياة ولو بشطر كلمة، لكننا نكره....... لانهم غزونا، ولانهم لازالوا يحتلون ارضنا ولا يؤمنون بوجودنا وبحقوقنا المشروعة، فهل يراد منا ان نحب من كرهنا وظلمنا وإغتصب ارضنا وقهر شعبنا ومازال حتى اليوم؟! ونحن نتعاطف مع شعب بربر والاقباط والبلوج والفرعونيين الذين لم ينسلخوا عن ثقافتهم ودينهم واصلهم، وكل الشعوب المقهورة من قبل اعدائنا المحتلين العرب والفرس والترك . نحن نحب السيد حورج بوش لانه انقذنا من ظلم صدام حسين، ونكرهه لانه ومنافق وكذاب، يتحدث طول الوقت عن الحرية والديمقراطية، لكنه لايؤمن بحرية الشعب الكردي في تقرير مصيره ...
8. الذي سمعناه من السيد
ⴰⵎⴰⵣⵉⵖ - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:43
الذي سمعناه من السيد حيدر العبادي، خلال الأيام الماضية، لم نسمعه من صدام طوال سنوات حكمه. والذي سمعناه من بعض أعضاء حزب الدعوة لم نسمعه من حزب البعث. وما سمعناه من البرلمان العراقي ورئيسه سليم الجبوري لم نسمعه من المجلس الوطني البعثي ورئيسه المسكين سعدون حمادي. وما سمعناه من نواب الغفلة في البرلمان العراقي لم نسمعه من أعضاء القيادة القومية او القطرية للبعث. وما قرأناه في الإعلام من تحريض وكراهية مقيتة، لم نقرائها في صحف بابل والثورة، وبصراحة تامة شعرنا وكأننا نعيش حرب حقيقية بغيضة مستعرة
9. الكيان الحقير في مزبلة
卡哇伊 - GMT الأحد 08 أكتوبر 2017 23:45
الكيان الحقير في مزبلة التاريخ عاجلا , اللعنة على الكيان السرطاني الخبيث.


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد