: آخر تحديث

فيروس الإلغاء       

بول شاوول

نشهد الآن في معركة تأليف الحكومة الجديدة الأولى بعد الانتخابات النيابية. أزمة في «التحاصص» بين أحزاب المكونات السياسية (فلنقل من باب الافتراض) إن لكل حزب أو تيار أو حركة الحق في قطف انتصارات ما، أو نجاحات ما. فهذا من حق الجميع. محاصصة الحقائب «السيادية» أو سواها، أو عددها في التمثيل الوزاري.. الأزمة، ظاهرياً، قد تكون «عادية»، أي مجرد محاصصة لو أنها اقتصرت على مطالب هذه الفئة أو تلك، ولكن إذا تقصينا عمقاً، نجد أن وراء مسألة المحاصصة استعادة لمنطق هيمنة هذا المكوّن الحزبي أو ذاك، لكن الأمر قد يتجاوز «الهيمنة» إلى الإلغاء. أي عدنا إلى زمن حروب الميليشيات، التي بدأت أولاً بإلغاء الدولة، وتقسيم الجيش، وقوى الأمن، والمناطق، والبشر والحجر، بين المتناحرين وتقاسمه، استهلت بما كان يُسمّى «العزل»، عبر اتهام فئة من اللبنانيين بالانعزالية، أو بالعمالة لجهة خارجية. والكل يعرف أن هذا النمط من التعامل أدى إلى تكوين كانتونات مذهبية حزبية، لا يحل واحد منها محل الدولة فقط، بل محل مفهوم شعب ككل. لا شعب إذاً، بل مجموعة من الشعوب. مصنفة، ومبوبة ومنذورة للحروب وللدماء. وهذا ما يُفسّر حجم الخراب والتهجير (المتبادل)، والقتل على الهوية، والاغتيالات، والمجازر، بحيث باتت الحرب موجّهة أصلاً على الناس والبلاد، وكل ما هو موجود فيها، والكل يعرف أن حروب الإلغاء انتقلت كالعدوى إلى داخل المعسكر الواحد، والطائفة الواحدة، والحزب الواحد: معارك إلغاء ومجازر داخل هذه الأحزاب حتى بات الإلغاء سياسة «الميليشيات» واستراتيجياتها.

حرب بين الأحزاب المسيحية (خصوصاً المارونية) بين هذا الحزب وذاك: بين القيادات وصولاً إلى هيمنة القائد الواحد الذي يمثل وحدة «الطائفة»: هذا ما رأيناه. بعد حرب الإلغاء التي شنّها «حزب الله» على «أمل» وأزهقت ألوف الضحايا.

السمة

إنها علامة تشير إلى أن حرب الميليشيات (خارج الدولة) ما زالت سمة الصراعات القائمة، من محاولات محو هذه الطائفة، إلى محاولة محو متبادل بين المتنافسين في الطائفة نفسها.

بعد «انتهاء» الحرب عام 1990 و«تفكيك» الكانتونات المادية والحدودية، قلنا لعلها «انتهت» هذه المهزلة الدموية، لكن، أظهرت الأحداث بعدها أنها ما زالت مغروزة في عقول بعضهم: الاستئثار عبر رفض وجود «الآخر»: مَن يكون زعيم الطائفة الأوحد؟ مَن يهيمن على قرارها؟ مَن يصفّي الآخر؟. وقد زاد الطين بلة، أن النظام السوري، الذي لعب لعبة «فرّقْ تسدّ» (كما إسرائيل ثم إيران)، ها هو يمارسها بكل وقاحة: ضرب المكوّنين الأساسيين في لبنان الموارنة والسُنَّة، من خلال تهجير زعماء هذين المكوّنين ونفيهم إلى الخارج: من ريمون اده، إلى أمين الجميّل، إلى ميشال عون، وإلى سجن سمير جعجع وصولاً إلى صائب سلام وتقي الدين الصلح، وابراهيم قليلات وسواهم. قطع رؤوس كل مَن كان يعارضه، أو مَن إنحاز إلى القضية الفلسطينية. قلنا عندها، إنها محاولة خارجية، باعتبار أن المحاولات الداخلية قد كفت مع المصالحات وعودة شيء من الحياة السياسية إلى البلد.

طبعاً، كنا بسطاء، ازاء هذه الظاهرة، فالإلغاء (وبدوافع داخلية وخارجية وطموحات ذاتية)، ما زال مشتعلاً في رؤوس الذين ينتهزون الفرص للاستئثار بزعامة هذه الطائفة أو ذلك المذهب.. وصولاً إلى البلد نفسه.

حكومة جديدة

وها نحن أمام تأليف حكومة جديدة اليوم: جرت الانتخابات (كما يقول الجميع) في أجواء ديموقراطية. عال! أسفرت النتائج عن فوز هذا الحزب أو ذاك، بمقاعده النيابية. إذاً، فلتأخذ اللعبة الديموقراطية مداها، وليأخذ كل ذي حق حقه بحسب نجاحه أو فشله. رائع! وعندما كُلّف الرئيس سعد الحريري بتأليف الحكومة، فرش الجميع له الأرض وروداً: المساعدة على تأليف حكومة وطنية بسرعة فائقة، نظراً لوضع البلاد الاقتصادي المُهدّد، وحماية للأمن والأمان. لكن، كأنما فخ نُصب للرئيس المكلّف: هطلت المطالب من كل حدب. الكل يريد «حصصه» وأكثر، والكل يريد «مكاسبه» وأكثر. عال! لكن وبقدرة قادر، برزت مبالغات في المطالب، بحيث تجاوزت المطالب «حقوق» المطالبين إلى لعنة الإلغاء: عودة إلى ذهنية الميليشيات! هناك فئة أو فئات يجب عزلها، أو قرض «حقوقها»، أو إخراجها من اللعبة. والعزل هو تعبير سافر عن الإلغاء، أي محاولة فرض غلبة من هنا، وهزيمة من هناك. لعبة «الديكتاتورية» الميليشيوية في أوضح إعلان لها، والمخفي وراء كل ذلك محاولة حصول بعضهم على «الثلث المعطّل» المقنّع بالأحجام والأعداد. وهنا كانت الصدمة وكان الاصطدام: تمسك كل فريق معرض للإلغاء بالدفاع عن نفسه، وتمسك كل فريق بحقه بالوزارات السيادية. دوّامة كادت تشلّ مساعي الرئيس المكلّف الذي حاول بكل ما أوتي، تقريب وجهات النظر: فالدولة قطعة جبنة وبعضهم يريد الحصة الكبرى منها: (وهذا يذكرنا بوصف الرئيس السابق فؤاد شهاب السياسيين بـ«أكلة الجبنة») (les Fromagistes). إنهم أكلة السلطة. إنهم «أكلة» الدستور. أكلة الحياة السياسية. أكلة «الديموقراطية» (أو ما تبقى منها). وهنا بالذات برزت مسألة «أكل» صلاحيات رئيس الحكومة بتأليف الحكومة مع رئيس الجمهورية: مَن يؤلّف الحكومة؟ الرئيس المكلّف أم رئيس البلاد؟، أم كلاهما. لكن هل تقف المسألة عند هذه الحدود الدستورية؟ يبدو أن وراء الأكمة ما وراءها. أي وراء التمادي في الحصص ما وراءها: إضعاف رئيس الحكومة، ومحاولة فصله عن حلفائه، ليؤلف حكومة هي كل شيء إلا حكومته! قد تكون حكومة بشار (مطالبة السيد حسن نصرالله بتطبيع العلاقة مع النظام السوري المجرم)، أو حكومة الآخرين (محاولة فرض وزراء سُنَّة من خصومه ومن أتباع إيران ودمشق)، أو حكومة تخريب مؤتمر سيدرز (لإفشال) الرئيس في الإصلاح الاقتصادي، أو حكومة إضعاف الجيش بالمطالبة بوزارة الدفاع (لعرقلة تسليح القوات المسلحة)، أو وزارة العدل (لإلغاء المحكمة الدولية)، (وقد ارتفعت أصلاً أصوات بضرورة إلغائها، وها هو اللواء جميل السيد يتصدّر هذه الحملة)، أو حكومة انعزال عن المدى العربي، فتكون حكومة انحياز إلى إيران، أو حكومة تنأى بنفسها عن صراعات المنطقة، فتكون حكومة «حزب الله» الذي تورّط بالحرب ضدّ الشعب السوري.. أو حكومة معطّلة أو حتى غير شرعية، بإلغاء التوازن بين أعضائها.. وهذا ما أشار إليه عدد من جماعة 8 آذار: فلنؤلف حكومة أكثرية.. كأنها مطالبة بإعلان الحريري فشله، لتعيين رئيس حكومة آخر يجسّد الإلغاء الكامل لأكثرية الشعب اللبناني عبر ممثليه. أي إحراج الرئيس الحريري لإخراجه، وقد تلقى هذا الأخير الرسالة وأبعادها: لا حكومة خاسر ورابح. لا حكومة عزل أحد. لا حكومة تطبع مع الأسد. لا حكومة لا ترفع شعار «النأي بالنفس»، لا حكومة تحرك خيوطها إيران من وراء الكواليس. لا حكومة تؤدي إلى خيانة لبنان عروبته. لا حكومة تتخلى عن المحكمة الدولية: بل حكومة يربح فيها الجميع. وهذا هو صلب حكومة توافقية، أو «حكومة وحدة وطنية»، أو «حكومة كل لبنان»، لا نصفه ولا ربعه ولا طرف من أطرافه. بمعنى آخر، كأن الحريري يريد وضع نهاية لسياسة الإلغاء التي عاناها لبنان على امتداد الحروب والوصايات والاحتلالات. أي لا حكومة كانتونات متصارعة على «حدودها» الخاصة، ساعية إلى انتهاك حقوق غيرها.

مخاض

ونظن أن أزمة الحكومة اليوم، لا تختلف في مضامينها وممارساتها عن أمس القريب، خصوصاً بعد اتفاق الطائف: فهي كانت تُشكل أصلاً، وأحياناً كثيرة بعد مخاض طويل، وشروط عويصة، لتمديد أزمتها، ومفاعيلها، وإضعاف صورة الدولة والشعب عبرها.. حكومة الحريري الماضية عانت مثل هذه الجلجلة وأسقطت بطريقة ميليشيوية وغادرة. وكذلك الانتخابات الرئاسية: عام ونصف العام من دون رئيس للبلاد. كأن يقال إن لا فارق عندنا بين أن يكون هناك رئيس أو لا يكون. (وقد اعتدنا أن يكون بعض الرؤساء ودائع سورية كالعديد من النواب والوزراء)، كأن الرئيس لزوم ما لا يلزم. وأن البديل موجود في عقول بعض الأحزاب المرتبطة بالخارج: فلنترك هذا «الخارج» يقود البلاد (كما كان أيام الوصاية الأسدية)، فهذا أسهل وأفعل وأجدى. وها هي حكومة اليوم، التي نخشى أن تلاقي مصير ما سبقها. فلنترك البلاد بلا حكومة فهذا يجنّب التصادم والطموحات الإلغائية والتوافقية. أو تصادم مَن يعلنون ضرورة قيام حكومة توافقية بعزل فئة أو فئات أخرى، وإذا لم ينجح ذلك، فقد يتوصّل أصحاب العقول الإلغائية، إلى مرادهم، ما يوقع البلاد في أزمة ميثاقية أو دستورية! نتذكر عندما انسحب الوزراء الشيعة من حكومة الحريري السابقة، واعتبروا أن الحكومة باتت «غير شرعية» لأنها فقدت مكوّناً أساسياً في لبنان. عال! إذا كان شيعة «حزب الله» و8 آذار مكوّناً أساسياً (وهذا صحيح)، فلماذا لا يكون موارنة سمير جعجع ودروز وليد جنبلاط مكوّنين أساسيين؟ وقد ردّ أحد النواب «البقاعيين» الجدد بقوله: «اقترح على سمير جعجع أن يختار صفوف المعارضة». كأنه يلغيه كمكوّن ضروري في الحكومة العتيدة. وهذا لا يختلف عن مطالب بعضهم (أو تهديد بعضهم) بتأليف حكومة أكثرية. عال! فلو أن سعد الحريري، عندما ربح في دورتين انتخابيتين الأكثرية، قال ذلك لقامت القيامة عليه: إنه يضرب الوحدة الوطنية، والميثاق، ويُتّهَم بالديكتاتورية، والاستئثار وبممارسة الإلغاء.

إذاً، أهي مناورات؟ ربما! لكنها تنبئ بمخططات مَن يسمّون أنفسهم أكثرية نيابية، بأن سياسة الإلغاء وصفة جاهزة لمَن يُعارض.. فما يحاولونه، وما يبثونه من أخبار ملفقة، ليس أكثر من ذرائع لشرشحة كل شيء في هذا البلد. أي تصوير لبنان أمام نفسه، وأمام العالم، أنه غير قادر على حكم نفسه. الرئيس سعد الحريري، يجانب الاصطدام، لكن لا يجافي الرد بهدوء على كل المحاولات التي تجهد لكي تضعف وجوده، أو تفرض برنامجها، ورؤيتها. يقول «التفاؤل» نعم! فهو لا يريد أن يغرق البلاد في التشاؤم واليأس، لا ليعطيها نفحة من أمل فقط، بل، أيضاً، لتحسين صورة الحياة السياسية أمام الخارج، الذي يسعى إلى مساعدتنا، في الوقت الذي يسعى بعض الداخل إلى تشويه كل شيء، ضارباً بعرض الحائط مصالح الشعب اللبناني.

فها البلاد تعيش اليوم، في هذه الأزمة المُفتعلة (ذات العمق الألغائي)، نصفها في العتمة، ونصفها الآخر في الضوء: أو نصفها يريد أن ينتظر ونصفها الآخر يغلق باب الانتظار: فأبواب هذه البلاد «مغلقة»، لا توحي بالخير، ولا الازدهار، ولا الديموقراطية، ولا الدستور، ولا حتى الانتخابات: كأنما لبنان بات في بلاد أخرى غير بلاده.

أوليس هذا ما كان عليه لبنان على امتداد نصف قرن من الحروب.. وما زال عليه، وإن بصور لمّاعة هنا.. ومبشرة هناك؟
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد