: آخر تحديث

أقطاب التكنولوجيا: أغلق الهاتف واقرأ بعض الكتب

 جيليان تيت  

قبل أسبوعين تلقيت بشكل غير متوقع مجموعة كبيرة من الكتب، أُرسلت من مكتب بيل جيتس، مؤسس شركة مايكروسوفت. وأوضحت مذكرة مصاحبة للكتب أن جيتس اختار هذه المجلدات لتكون قراءاته لهذا الصيف - وكان حريصا على إرسالها إلى الأصدقاء والأقارب والصحافيين لتكون بمنزلة "مزيج من المذكرات والتاريخ والروايات المثيرة للتفكر".


وددت لو أهتف قائلة: "يا للروعة". ويرجع ذلك جزئيا لأني أنا نفسي مؤلفة ولي كتب منشورة، وبالتالي متحيزة تماما لمصلحة دعم صناعة الكتب. يعلم الله أن هذه الصناعة تحتاج إلى المساعدة في وقت يواصل فيه سعر الكتب الهبوط على المواقع الإلكترونية، مثل "أمازون".


كما كنت مسرورة أيضا باختيارات جيتس، التي من السهل أن تُشغِل أي شخص وتُدخِل عليه البهجة أثناء جلوسه حول البركة في عطلة جميلة. كانت هناك بعض الكتب غير الروائية التي من المتوقع أن تولد شعورا جيدا عند قراءتها تدور حول التقدم والعبقرية التكنولوجية، مثل كتاب هانس روزلينج "الحقيقة استنادا إلى بيانات ملموسة" وكتاب ليوناردو دافينشي لمؤلفه وولتر إيزاكسون. لكن مجموعة الكتب كانت تشمل التحفة الأدبية الغريبة، بعنوان "لينكولن في سهرة بين الموت والبعث" من تأليف جورج سوندرز، وتأمل قوي حول الإيمان والحياة بقلم كيت باولر، وهي أستاذة جامعية شُخصت بالإصابة بسرطان من المرحلة الرابعة في سن 35، بعنوان "كل شيء يحصل لسبب وغير ذلك من الأكاذيب التي أحببتها".


كان هناك سبب ثالث جعلني أشعر بالسعادة لهدية الكتب المذكورة: يبدو أنها علامة صغيرة على اتجاه أكبر معاكس للثقافة يجري تبنيه الآن على قدم وساق في عالم التكنولوجيا. هذه الأيام هناك قلق متزايد من أنه يجري تدمير الحياة العصرية بسبب الانزلاق المستمر في عالم الفضاء الإلكتروني المنفصل: فنحن مدمنون بشكل كبير جدا على استخدام الأجهزة اللوحية والهواتف وغيرهما من الأجهزة الرقمية، بحيث أصبحت تعاملاتنا الاجتماعية مع الناس ضحلة ومختصرة، وأصبحت عقولنا مشتتة للغاية بحيث لا يمكنها التركيز.
ربما كان الوضع كذلك، لكن حتى مع انجراف معظم المستهلكين الغربيين بشكل أكثر عمقا وباستمرار في الهوة الرقمية، بعض خبراء التكنولوجيا الكبار أنفسهم الذين ساعدوا على إيجاد هذا العالم الذي يبعث على التشتت الآن يشجعون الناس علنا على اتباع نهج أكثر تأملا، والاحتفال بالبديل القائم على التواصل بين البشر، والمحادثات الطويلة وتجارب "العالم الحقيقي" الملموسة ذات الطراز القديم.
لنأخذ مثلا تلك الكتب. لو كان جيتس يريد البدء في نقاش فكري، كان يمكنه فقط التغريد عبر "تويتر" حول مقالة أو اثنتين. لكنه اختار إرسال مجموعة ضخمة من الكتب الورقية التي تتطلب ساعات لقراءتها واستيعابها، ومن غير السهل إلى حد ما حملها معا.


في العام الماضي أنشأ مارك زوكربيرج، رئيس شركة فيسبوك، ناديا غير رسمي للكتاب، بعد أن نشر قائمة من الكتب المفضلة لديه عبر الإنترنت (شملت كتبا مثل "الإنسان العاقل" لمؤلفه يوفال هاراري وكتاب "المتفائل العقلاني" لمؤلفه مات ريدلي). في حين لا يبدو أن زوكربيرج مولع تماما مثل جيتس بالكتب الورقية الحقيقية، إلا أن الرسالة هي نفسها: في عالم من التشتت المحموم، نحن بحاجة إلى أن نأخذ وقتنا من أجل التدبر.
فيليب شيندلر، رئيس قسم الأعمال في "جوجل"، يروج لمفهوم مماثل. عندما عقدت "جوجل" مؤتمر "روح العصر" في أوروبا هذا العام، تم تسليم أعضاء الوفود المشاركة كتاب "الصمت في عصر الضوضاء" لمؤلفه إيرلينج كاجي، وهو مستكشف نرويجي أمضى 50 يوما مسافرا إلى القطب المتجمد الجنوبي في عزلة تامة. يجادل هذا الكتاب بأننا يمكن أن نكون عاقلين فقط عندما نزيل بشكل متقطع ومتعمد جميع الضوضاء والإلهاء - بما في ذلك الأجهزة الرقمية المنتشرة في كل مكان التي تعرض منصات مثل "جوجل".
كاجي يأخذ سعيه وراء الصمت إلى الحالة القصوى. لكن كثيرا من خبراء التكنولوجيا يشعرون بالاعتزاز في سعيهم للعثور على سبل لتعليم أطفالهم من خلال الحد الأدنى من التعامل مع الأجهزة الإلكترونية - أو، إن فشل ذلك، بإرسالهم إلى معسكرات صيفية تقوم عمدا على "العودة إلى الأساسيات" (بمعنى أنها خالية من الهواتف الذكية). مثلا، يأخذ شيندلر أسرته إلى رحلات تخييم "بسيطة" في مناطق بعيدة تكون محرومة من شبكات الواي فاي في البرية الأمريكية. في الوقت نفسه، آخرون في عالم التكنولوجيا يشرعون الآن في فترات من التخلص من التسمم الرقمي سعيا منهم "لإعادة التركيز" - أو تجربة الصمت الإلكتروني.


ربما يجادل شخص ساخر بأن هذا شكل جديد من الفضيلة يشير إلى عالم يخشى فيه النقاد أن يكون الإدمان الرقمي هو شر. ومن الممكن أيضا - وإن لم يكن مرجحا - أن قادة التكنولوجيا يحاولون تفادي خطر الانتقادات السياسية المتصاعدة حول دورهم في تدعيم الهوس الإلكتروني. في الواقع، يبدو أن جميع الشركات العملاقة في وادي السليكون تتعرض للضغط من أجل إظهار أنها تحاول بذل الجهود لمكافحة ذلك الهوس. مثلا، أذهلت شركة أبل مستخدميها أخيرا من خلال كشف النقاب عن سمات في الآيفون الجديد تهدف للتقليل من فترات استخدام الشاشة والحد من الانقطاعات.
ثمة عامل آخر هو التسلسل الثقافي الهرمي: مع وجود كثير من سبل الإلهاء الرقمية والابتكارات الجديدة، فكرة "العودة إلى الأساسيات" – أي أن يتوافر لديك الوقت لقراءة الكتاب أو الطهي باستخدام النار الموقدة من الخشب – تشير الآن إلى التفرد والانتماء لمجموعة من النخب. وهذا صحيح بشكل خاص عندما يجري تصويره على أنه نقيض شيء آخر (بمعنى فكرتنا لما هو الآن حياة "طبيعية" مليئة بالإنترنت). الندرة تولد القيمة.


بغض النظر عن التفسير الأنثروبولوجي، تبقى الحقيقة التي مفادها بأن إهداء الكتب – والاحتفال بالأفكار المهمة – هو أمر رائع. لم أجد بعد الوقت الكافي لقراءة كل تلك المجلدات التي أرسلها جيتس. لكنها تقبع على مكتبي في كومة ضخمة – تمثل التطلع الذي يوضح كيف أود من الناحية المثالية قضاء أيام عطلة الصيف – لو كان بإمكاني فقط تنظيم أموري وإغلاق الضوضاء الرقمية التي تسبب التشتت.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.