تصفحوا إيلاف بثوبها الجديد

: آخر تحديث

البابا في عاصمة التسامح

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

   أسعد عبد الرحمن

في ديسمبر 2000، زار البابا (يوحنا بولس الثاني) مدينة بيت لحم مع الاحتفالات الدينية المسيحية الكبيرة التي شهدتها المدينة، بمناسبة الدخول في القرن الحادي والعشرين على ميلاد المسيح. في تلك الزيارة، قام البابا بزيارة «مخيم الدهيشة» في بيت لحم. ولأنني- كنت آنذاك- وزير شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، أصر الرئيس الشهيد (ياسر عرفات) عليّ أن أُلقي الكلمة بصفتي الوزير المسؤول، رغم معارضة البعض وحجتهم بأن مقابل كلمة البابا يجب أن تكون الكلمة لأبي عمار شخصياً.


لطالما، كانت زيارات باباوات الفاتيكان لبلاد الشام، لزيارة الأماكن المسيحية المقدسة. لكن اليوم، ولأول مرة، تطأ قدما البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، أرض شبه الجزيرة العربية، وتحديداً أرض دولة الإمارات العربية المتحدة. وجهود البابا فرنسيس في نشر السلام والتسامح والمحبة في العالم، يشهد لها الجميع. فالبابا فرنسيس ومنذ تسلمه المنصب، بدأ يعيد كثيراً من الأمور إلى نصابها بعد خسائر الفاتيكان جراء تصريحات البابا السابق (بنديكتوس السادس عشر) حين هاجم الإسلام وربطه بالإرهاب، ما أدى إلى فتور في الحوار الإسلامي- المسيحي، دفع الأزهر الشريف إلى تعليق علاقاته مع الفاتيكان لأكثر من عشر سنوات. لكن منذ تولي البابا فرنسيس المنصب، أضحت قضايا الجنوب (سياسات التفقير، المديونية، البطالة، آثار الهجرة، مشاكل البيئة) قضايا متداولة في عظاته خلال قدّاس الأحد وفي إرشاداته ورسائله، واتخذ حواره طابعاً اجتماعياً وليس لاهوتياً محضاً، بل لأنه طرح قضايا الناس، هوجم «الحبر الأعظم» فهو: «بابا ثوري» و«شعبوي» و«عالمثالثي»، ووصف بـ «البابا الأفريقي» و«الآسيوي» و«الجنوبي».


يحظى البابا فرنسيس باحترام كبير في العالم الإسلامي كونه يتحدث دائماً بطريقة إيجابية عن المسلمين، بالإضافة إلى حرصه على تأكيد أهمية التمييز بين الإسلام كدين والإرهاب كنوع من الانحراف، ومطالبته بعدم التعميم، وهو الذي أعلن مسبقاً: «العلاقات مع أتباع الإسلام، في هذا العصر، تكتسي أهمية كبرى لحضورهم في سلسلة من البلدان ذات تقليد مسيحي، ومن حقّهم إقامة شعائرهم بحرية والعيش في كنف تلك المجتمعات بأمان. وهؤلاء المسلمين على إيمان إبراهيم، ويعبدون معنا الله الواحد، الرّحمن الرّحيم. ومرجعيات الإسلام المطهَّرة تتضمّن جوانب من تعاليم المسيحية، فالمسيح ومريم موقّران جليلان». كما أضاف «علينا كمسيحيين أن نسعى جاهدين لاحتضان المهاجرين المسلمين الذين يحلّون بين ظهرانينا، بعطف واحترام، كما نأمل أن نلقى القبول ذاته والاحترام عينه من قِبل البلدان الإسلامية... وأمام بلايا الأصولية العنيفة التي تشغل بال الجميع، فإن التعاطف مع المسلمين الصادقين ينبغي أن يكون حائلاً دون التعميم، بناء على أن الإسلام الحق والتفسير الصائب للقرآن يتعارضان مع العنف».
تكتسب زيارة البابا إلى الإمارات أهمية استثنائية. فهي دعوة صريحة لتعظيم فرص الحوار والتعايش بين مختلف الأديان والأعراق على أسس الاحترام المتبادل، ونبذ التعصب والتطرف. ففي العاصمة الإماراتية «أبوظبي» (عاصمة التسامح في 2019)  التقى العالمان الإسلامي والمسيحي، بمرجعيتيهما الكبيرتين: فضيلة إمام شيخ الأزهر الدكتور (أحمد الطيب)، وقداسة البابا (فرانسيس)، مؤكدين للعالم أن المستقبل مشترك، ومعاً نستطيع مواجهة الكراهية والإرهاب. وقد سجل البابا: «أنا سعيد بهذه المناسبة، وقد قدر لي الرب أن أكتب على أرضكم العزيزة صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين الأديان. الإيمان بالله يوحد ولا يفرق، إنه يقربنا من بعضنا رغم الاختلافات، إنه يبعدنا عن العداء والكراهية».


تكمن أهمية زيارة بابا الكنيسة الكاثوليكية للإمارات في أنها تضفي شرعية الوجود الذي يعيشه المسلمون مع المكونات الدينية الأخرى في أوروبا في ظل الأنظمة الشعبوية الجديدة التي ترفض المهاجرين وتعيش في ظل «إسلاموفوبيا» متزايدة. وإنْ كانت الزيارة لها أبعادها الدينية والروحية والثقافية، فإنها تطرح من جديد، مسألة العلاقات بين الديانات، خصوصاً العلاقات بين المسيحية والإسلام، وتؤكد أن اللقاء والحوار وقبول الآخر ممكن رغم الاختلاف.
تجاوب البابا وزيارته حصلتا مع البيئة الملائمة المتجسدة في دولة الإمارات العربية المتحدة. فلا سلام في العالم دون سلام بين الأديان، وتأتي وسط سياق من الانفتاح الإماراتي. وفي السياق، أشاد البابا بالإمارات، وقال إنها «أرض تحاول أن تكون نموذجاً للتعايش والأخوة الإنسانية، ومكاناً للقاء الحضارات والثقافات المتنوعة».
إن الدور الذي تقوم به الإمارات على أرضها في نشر رسالة التسامح والعيش المشترك بين الجميع مع اختلاف عقائدهم لا ينكره أحد. فالبابا، الذي يصنع تاريخاً حين يزور المنطقة لأول مرة بحسب ال «سي إن إن»، يرى – ومعه كثيرون - أن الإمارات نموذج يحتذى به في العالم: سماحها باستضافة العمالة الوافدة التي تساهم في تضافر وتسارع جهود البناء والإعمار، وبعض هؤلاء الوافدين من دين آخر (المسيحية وغيرها) وبما أن هناك تقريباً مليون كاثوليكي في الإمارات من أقطار متعددة،  ناهيك عن  ديانات أخرى على قاعدة التعايش والعمل المشترك. هذا هو الإسلام الحقيقي بصورته الحقيقية يتعايش مع كافة الأديان وليس الصورة المشوهة البشعة التي تروج لها «داعش» وأخواتها، وهذا ما أكده بابا الكنيسة الكاثوليكية مراراً وتكراراً.

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد