: آخر تحديث

المقاومة الثقافية

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 حسونة المصباحي

ظواهر المقاومة الثقافية في كل من إيران والعراق تذكرنا بما قاله الفنان الفرنسي الكبير جان مونّيه "إذا ما كانت علينا إعادة بناء كل شيء، فإنه يتحتم علينا أن نبدأ بالثقافة".

 

انتشارا لحركة المقاومة الثقافية في إيران في أوساط الشباب

قبيل وفاته في خريف عام 1989، تحدث الراحل الكبير كاتب ياسين وهو على فراش المرض بحوار مُسْهَب إلى مجلة فرنسية عمّا سمّاه بـ”المقاومة الثقافية”. وموضحا ذلك قال بأن الجزائريين أخرجوا المستعمرين الفرنسيين بفضل المقاومة المسلحة. أما وهم مستقلون فإنه يتحتم عليهم أن يبتكروا أدوات ثقافية جديدة تساعدهم على مواجهة “الظلامية الزاحفة” التي تنذر بـ”خراب مخيف”.

ولم يكن قبر صاحب رائعة “نجمة” قد جفّ بعد، لما شهدت الجزائر أكبر انتفاضة شعبية بعد حصولها على استقلالها عام 1962، أعني بذلك “انتفاضة الخبز” التي مهدت لبروز الجماعات الإسلامية المتطرفة.

ومع حلول التسعينات، أغرقت تلك الجماعات البلاد في حرب أهلية مدمرة. وكان المثقفون والفنانون والمبدعون من أبرز ضحايا تلك الحرب القذرة. فقد تم قتلهم برصاصة في القلب أو في الرأس وهم يقودون سياراتهم في زحام المدينة مثل الطاهر جاعوت،  أو وهم يلعبون الكرة مع فتيان الحي مثل بختي بن عودة، أو وهم  يذبحون أمام أفراد عائلاتهم، أو هم ينهون كتابة قصيدة في فجر ليل بيّضه السهاد…

وفي هذا الزمن الأغبر،  يجدر بنا أن نعيد الاعتبار لـ”ثقافة المقاومة” لمواجهة الظلامية التي بسطت نفوذها على العديد من البلدان العربية والإسلامية، مهددة حرية الكلمة والخيال. ويمكن القول إن إيران كانت سبّاقة في هذا المجال، أي ثقافة المقاومة. فعلى مدى الأربعين سنة الماضية، استعمل الإيرانيون وسائل مختلفة لمواجهة القمع الرهيب المسلط عليهم من قبل نظام الملالي.

 وفي النهاية اكتشفوا أن أفضل الوسائل هي الثقافة. فمن خلال الأفلام السينمائية مثلا، نجح المخرجون في التحرر من العزلة المفروضة عليهم لتصبح السينما الإيرانية مشهورة في العالم بأسره، ناقلة طموح وتوق الإيرانيين إلى التحرر من القيود التي تكبل خيالهم، وتخنق أصواتهم.

وخلال السنوات الأخيرة، شرع شبان وشابات من الأجيال الجديدة في تحدي فقهاء الظلام وحراسهم، مقيمين حفلات موسيقية في شوارع وساحات طهران، ومعارض للفنون التشكيلية في نواد خاصة. ويوما بعد آخر، تشهد حركة المقاومة الثقافية في إيران انتشارا في أوساط الشباب بالخصوص، مشيعة الأمل في الخلاص الذي يتطلع إليه المجتمع الإيراني.

وفي العراق حيث يسعى الظلاميون إلى فرض سيطرتهم المطلقة على المجتمع، مبيحين لأنفسهم ترويع المثقفين والفنانين والمبدعين وقتلهم مثلما فعلوا مؤخرا مع الروائي علاء مشذوب، بدأت تظهر في بغداد، وفي البصرة، وفي مدن أخرى ظواهر تعكس بروز “ثقافة المقاومة”.

وهذا ما يعكسه المهرجان الفني الذي انتظم مطلع العام الحالي في مدينة بوزنسون الفرنسية احتفاء بالمسرح العراقي الجديد، وبظواهر فنية أخرى. وخلال أيام المهرجان، قرأت الشاعرة آيا منصور البالغة من العمر26 عاما البعض من قصائدها المترجمة إلى لغة موليير، والتي تعكس رغبتها في “أن تتذوق من الحياة ما  ألذ وأجمل”.

وقام الفنان لطيف العاني البالغ من العمر 86 سنة، بعرض صوره الفتوغرافية التي تعكس زمن بغداد الجميل الخالي من الأحقاد القبلية والطائفية الشائعة راهنا. وأما المخرج المسرحي  أنس عبدالصامد فقد قدم مسرحية بعنوان “نعم يا غودو”. وهي مستوحاة من المسرحية الشهيرة “في انتظارغودو”.

وفيها نرى على الحائط صورة ضخمة لبيكت وهو يبكي بدموع سوداء ترمز للبترول الذي بسببه دمرت بغداد والعراق برمته…

ظواهر المقاومة الثقافية في كل من إيران والعراق تذكرنا بما قاله الفنان الفرنسي الكبير جان مونّيه “إذا ما كانت علينا إعادة بناء كل شيء، فإنه يتحتم علينا أن نبدأ بالثقافة”.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد