: آخر تحديث

ثوابت المملكة من القضية الفلسطينية

 رامي الخليفة العلي

انعقد في مدينة وارسو مؤتمر دعت إليه الولايات المتحدة الأمريكية للتشاور حول الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، باعتبار أن هذه المنطقة تمثل هما إستراتيجيا لمختلف دول العالم، لموقعها وتقاطع المصالح فيها، وكذلك تأثير القضايا والأزمات المتفجرة فيها من الإرهاب إلى الأزمة السورية، مرورا بدور إيران التخريبي والحرب في اليمن وغيرها من الأزمات جرى النقاش بين الدول المجتمعة. لعل القضية الفلسطينية كانت من المحاور الأساسية للتباحث والنقاش بين هذه الدول بعد جمود طال أمده في المفاوضات بين السلطة الوطنية الفلسطينية والجانب الإسرائيلي. في هذا السياق لم تعلن الولايات المتحدة الأمريكية خطتها لإرساء السلام بين الطرفين. وأعلن جاريد كوشنر أن الإدارة الأمريكية سوف تعلن عن الخطة العتيدة بعد إجراء الانتخابات في إسرائيل في شهر أبريل القادم. الأهم من ذلك أن الدعايات التي طالت عددا من الدول العربية بأنها سوف تمرر الخطة الأمريكية أثبتت عدم صحتها وكذبها على طول الخط منذ أن ظهر في الإعلام ما سمي (صفقة القرن).

تتعرض المملكة العربية السعودية طوال الشهور الماضية لحرب إعلامية تشنها دول ومؤسسات وتنظيمات إرهابية، مسلحة بوسائل إعلام كبيرة وأموال ضخمة من أجل تشويه صورة المملكة وقيادتها. هذه الحرب الإعلامية لم تترك شاردة أو واردة في المملكة إلا وتجعل منها قضية، فلو أن رئيس مخفر عطس في عرعر لجعلت منها هذه الوسائل المأجورة قضية وأزمة تستغلها للنيل من المملكة. في هذا الإطار فإن هذه الوسائل تجد في القضية الفلسطينية ضالتها باعتبار البعد الوجداني لها ومركزيتها في الوعي العربي وباعتبارها قضية العرب الأولى. فمن هذه الأكاذيب أن العلاقات بين إسرائيل والمملكة تطورت خلال السنوات الماضية، ولكن إذا سألت كيف تطورت يتم الحديث عن لقاءات سرية، وهذا يجد صداه الإيجابي في الإعلام الإسرائيلي، لأن إسرائيل تدرك جيدا أن علاقاتها مع مختلف الأطراف لا قيمة لها إذا لم تكن لديها علاقات مع المملكة، لذلك تعمد إلى إذكاء هذه الشائعات. ولكن معايير العلاقات وتطورها لا ينطبق بأي شكل من الأشكال على ما تدعيه تلك الأبواق.

العلاقة ما بين دولتين تفترض تمثيلا دبلوماسيا وتعاونا اقتصاديا وتنسيقا أمنيا وتعاونا عسكريا، وكذلك التفاهم السياسي والتنسيق الإعلامي. فهل العلاقة بين المملكة وإسرائيل فيها أي ملمح من هذه المسارات للتعاون. حتى تلك الأبواق المأجورة لم تجرؤ على القول بذلك. لا يوجد أي تعاون اقتصادي بين الطرفين. والتعاون العسكري والاستخباراتي معدوم بين الطرفين، أما التفاهم السياسي والإعلامي فهو بعيد تماما. المملكة لديها موقف واضح وضوح الشمس من الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومن الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. هذا الموقف حددته المبادرة العربية التي ما تزال الإطار الذي رضيه العرب للسلام مع إسرائيل. وهذا الإطار يتضمن مفردات الحل الفلسطيني، وعلى رأسها الانسحاب الإسرائيلي إلى حدود الرابع من حزيران وإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة وعاصمتها القدس الشرقية وتفكيك المستوطنات. أساس الحل كما حددته المبادرة العربية هو حل الدولتين والأرض مقابل السلام. هذا الموقف كررته القيادة السعودية على مدى السبعة عشر عاما الماضية. وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز عبر عن الموقف السعودي بشكل لا يقبل الجدل أو التأويل عندما تحدث إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن) وأخبره أن المملكة تقف خلف الفلسطينيين مساندة وداعمة في أي مفاوضات قادمة.

هذا هو موقف المملكة بشكل واضح لا يقبل المساومة، فأرونا ما هي مواقف الأطراف الأخرى؟ رأس الحربة من الحرب الإعلامية والسياسية التي تشن على المملكة العربية السعودية هي تركيا (أردوغان)، فإذا ما طبقنا المعايير السابقة على النظام التركي حليفا وممولا وداعما لوسائل الإعلام التي تريد النيل من المملكة ودورها في المنطقة من حيث التمثيل الدبلوماسي فإن تركيا من أوائل الدول التي اعترفت بإسرائيل وأقامت علاقات دبلوماسية معها، ومن حيث التعاون الاقتصادي فحدث ولا حرج، فالمواطن الإسرائيلي يدخل تركيا بدون تأشيرة وأعداد السياح الإسرائيليين تقدر بعشرات الآلاف سنويا، أما التبادل التجاري فهو مرتفع بين البلدين. تركيا هي الدولة الأولى في الشرق الأوسط من حيث علاقاتها العسكرية مع إسرائيل، فهناك على سبيل المثال لا الحصر مشروع ضخم بين البلدين لإنتاج طائرة بدون طيار، كما أن إسرائيل ساهمت في تحديث الجيش التركي، وتركيا لديها اتفاق يسمح باستخدام الطائرات الإسرائيلية للأجواء التركية، وبالفعل استخدمت الطائرات الإسرائيلية هذه الأجواء في استهداف مفاعل الكبر في محافظة دير الزور السورية. التعاون العسكري يحتاج إلى كتب وليس مقالة بحكم شموليته واتساعه. أما الجعجعة الإعلامية فهي لا تعدو كونها مناكفة يستفيد منها كلا الطرفين (أردوغان ونتنياهو) في الخطاب الشعبوي ـ اليميني.

المطلوب قليل من الخجل لدى أولئك الذين تحاول ألسنتهم النيل من المملكة، خصوصا عندما يحاضرون في التطبيع! ويبقى سؤال برسم القارئ الكريم: أين اُفتتح أول مكتب لرعاية المصالح الإسرائيلية في الخليج العربي؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد