قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

فضيلة الفاروق

الشيء الذي لا يمكنني أن أنساه خلال زيارتي للبحرين هو الفجر البحريني الفريد من نوعه، حين ترتفع أصوات المآذن إعلاناً لصلاة الفجر، وترتفع معها أصوات الطيور مُسَبِّحة بالخالق، لا مثيل لتلك الصلاة المفعمة بالرّهبة، وأنا أفتح عيني بعد نوم عميق في نُزُلِ مركز الشيخ إبراهيم، دون أن أشعر بأي إزعاج يُذكر، فقد تسللت الأصوات إلى قلبي وكأنّها يد أمي الحنونة، انتابني خشوع لم أعش له مثيلاً منذ غادرت بلدتي الصغيرة في جبال الأوراس في الجزائر سنة 1985، جمدت في فراشي أصغي للأصوات البديعة التي تمازجت بشكل يصعب وصفه، وشعرت أن روحي ترتفع، وأني ما عدت أنا، تلك المرأة القادمة من بيروت لإلقاء محاضرة عن أدب المرأة بين سيرتها الذاتية وقضيتها الإنسانية.

كرّت دموعي دفعة واحدة، وفتحت إحدى النوافذ المطلّة على باحة النُّزُل، وامتلأت بتلك الأصوات، قبل أن أقلع في رحلة لم أفهم أهي رحلة عبر الزمن، أم أنها رحلة قام بها عقلي الباطن، لاسترجاع ما سلبته مني كل الأفكار السيئة التي شوّهت الإسلام، والتي تبنّتها حركات متطرفة، كانت سبباً لهروبي من الجزائر والإقامة في بيروت.

في لحظة يصعب وصفها فهمت ما عاشه كل شخص أجنبي، اعتنق الإسلام، وما غادر قلبه، إنها هذه الأجواء بالذات، وهي أجواء ما كنت لأعيشها لو أني بقيت في الفندق الفاخر ذي الخمس نجوم الذي أمضيت فيه ليلتي الأولى. كان افتتاني بالمكان قد أصابني في أول لحظة حين زرت مركز الشيخ إبراهيم، وبعض البيوت التراثية التي رممتها الشيخة مي بنت محمد آل خليفة، فطلبت نقلي من الفندق ذي النجوم الخمس، إلى المكان الذي تحط نجوم الكون كله في حضرته، بسقف من خشب وسعف النخيل، ونوافذ لا تنغلق تماماً، تمرر النور الرباني إلى زواياه، وتنير أثاثه الذي تنبعث منه رائحة البخور.

الأزقة البيضاء الضيقة، تعانق المارّة بمحبة زائدة، رائحة الأطعمة البحرينية تنبعث من البيوت، ورائحة الخبز الطازج تنبعث من الأفران القريبة، وتفتح شهية الجائع والشبعان، عظمة المكان تنبثق من بساطته، وعبقه التاريخي الطويل، عشت ثلاث ليالٍ وأربعة أيام في كنف ثقافة البحرين الحقيقية، وواجهت جمهوراً مثقفاً، تكلّل بحضور وجوه بحرينية لا تنسى، الشاعر الكبير حسن كمال، الأستاذة عائشة مطر، الشاعرة والإعلامية بروين حبيب، وآخرين يضيق المقام لذكرهم، على رأسهم الشاعر السعودي عبدالوهاب العريّض، والكاتب التونسي الطاهر لبيب الذي قدمني وأدار المحاضرة.

غادرت البحرين وقد كان بودي أن أعانق المكان وأصحابه بشدة، دمعت عيناي وأنا أحلّق في سمائها، قاطعة عهداً على نفسي أن أعود إليها متى استطعت.