قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

   رضوان السيد

تنعقد بمكة المكرمة في أواخر شهري مايو ورمضان ثلاثة مؤتمراتٍ قمة هي: قمة مجلس التعاون الخليجي، وقمة دول الجامعة العربية، وقمة منظمة التعاون الإسلامي. والقمتان الأوليان استثنائيتان، فرضتهما ظروف الاعتداءات الإيرانية على دول الخليج العربية. والظروف نفسها هي التي اقتضت عقد القمة الإسلامية بمكة أيضاً. إنما إذا كانت الأوضاع الحاضرة هي التي اقتضت عقد القمم، فلماذا كانت القمم هي الأسلوب المختار؟ ولماذا تنعقد كلها بمكة المكرمة؟
كان لابد من هذه القمم لأنّ الأمر مع إيران ما عاد يحتمل أقلّ من ذلك. فبعد كل اعتداءٍ إيراني على الدول العربية، كان يحصل اجتماعٌ أو أكثر وبيانات استنكار، ثم ينقضي الأمر من دون أن تعدّل طهران من سياساتها، وإنما يبادر المعتدى عليهم لإظهار حسن النية بالقول إننا نحن العرب إنما نستنكر الاعتداءات، ولا نرغب في الحرب، ونأمل بعلاقات حسن الجوار. لكنّ تصرفات إيران الأخيرة ما عادت تسمح بقصْر الأمر على الاستنكار، بل حتمت اجتراح بدائل لتقوية المناعة والقدرة على الرد والردع. والحق أنّ المملكة حاولت في عهد الملك سلمان صنع أو تشكيل هذا البديل، من التحالف العسكري الإسلامي، إلى إحياء وتفعيل درع الخليج، إلى إقامة التحالف العربي لاستعادة الشرعية في اليمن. وما أمكن ذلك لثلاثة أسباب: وجود جهات معرقلة، عربية وإسلامية، لكل جهدٍ جماعي أو عملٍ مشتركٍ فعّال. ووجود جهات إقليمية ودولية تصوغ محاور ضد أمن الدول العربية. واحتجاج معظم الدول بضعف القدرة على الدخول في التزاماتٍ طويلة الأمد. 

والذي يحصل الآن هو أنّ العرب والمسلمين هم أمام أحد ثلاثة خيارات: إظهار الجدية في صون أمنهم البحري والبري والجوي وأمن مقدساتهم بإنشاء قوة عربية أو عربية إسلامية للدفاع والردع، أو شراء الأمن العربي كاملاً من الولايات المتحدة، والخضوع بالتالي تماماً للسياسات الأميركية وتطورها تجاه طهران كما حصل أيام أوباما الذي ساوم على الأمن العربي مع إيران، وأنعم عليها بالعراق وسوريا ولبنان، أو الكفّ عن محاولات الدفاع عن الأرض والمجتمعات والمصالح، وترك إيران تصول وتجول كما حصل خلال العقد المنصرم وقبله. 
إنّ الذي جرى حتى الآن هو أن السعودية والإمارات تواجهان إيران في اليمن، وأنّ قواتهما الجوية والبحرية والصاروخية تزيد من قدراتها الدفاعية ودورياتها للحماية. وهناك اتفاقيات ومواثيق دفاعية وردعية خليجية وعربية وإسلامية لابد من تفعيلها وتعزيزها وإلا ستبقى مسائل أمننا نهباً مقسَّماً بين المحلي والإقليمي والدولي. تصوروا أنّ الميليشيات الإيرانية والمتأيرنة في العراق ولبنان واليمن تصرح بإرادة مواجهة الولايات المتحدة ودول الخليج دفاعاً عن إيران المعتدية حتى على أمن وسكينة مكة والبيت الحرام، وهو البلد والملاذ الآمِن منذ إعلان إبراهيم عليه السلام لذلك: «وإذ قال إبراهيم ربّ اجعل هذا البلد آمِناً».

إنّ هذا كلَّه يوضّح لماذا تنعقد القمم بمكة المكرمة. إنه إشعارٌ بأنّ الأمن الاستراتيجي والديني إنما يحقّقه العرب والمسلمون، بمقتضى الحق والواجب، وفي وجه كل من ينتهكه. فالولايات المتحدة حليفٌ بمقتضى العلاقات الدولية والمصالح المشتركة، لكنّ التزامات الأمن التزاماتنا نحن، ونحن أكثر من عشرين دولة عربية، وخمسين دولة إسلامية. وإيران لا تتورع منذ عقدٍ ونيفٍ عن غزو البلدان، وقتل العرب وتهجيرهم، وتفرقة مجتمعاتهم، ومحاولة الاعتداء على بيتهم الحرام، كأنما الإيرانيون وحدهم غير ملزمين بأمن البيت الحرام، وهم «الجمهورية الإسلامية الكبرى»! 
إنّ قمم مكة المكرمة شديدة الأهمية في الانعقاد زماناً ومكاناً. وهي بالغة الدلالات على التحديات الوجودية التي تواجه أمتنا ودولنا. لذلك ينبغي متابعتها بدقة، وتقدير الإمكانيات الكبرى، المعنوية والسياسية والعملية، التي تملكها، ويجب أن تدفع بلهجتها وإرادة الفعل فيها الإيرانيين وغيرَهم إلى التفكير بتغيير سياساتهم: فلماذا تخاف إيران من أميركا كثيراً، ولا تخاف ولو قليلاً من باكستان وإندونيسيا وبنغلادش ومصر وماليزيا، وعشرين دولةً أُخرى؟!