قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

هالة مصطفى

فتحت القمة الاقتصادية المزمع عقدها بالعاصمة البحرينية المنامة 25 يونيو الحالي, الباب واسعا للحديث مجددا عن «صفقة القرن» أو الخطة الأمريكية للسلام فى الشرق الأوسط, فهذه القمة التى اختزلت إلى ورشة عمل كان مقدرا لها أن تكون بداية انطلاق الصفقة التى قيل إنها ستُعلن بعد انقضاء شهر رمضان, ليُصبح جانبها الاقتصادى هو القاطرة التى تمهد الطريق أمامها من الناحية السياسية التى من المفترض بدورها أن تعالج القضايا الجوهرية للتسوية النهائية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

رؤية إدارة ترامب صاحبة الفكرة تقوم على أساس أن الاقتصاد وليس السياسة هو مفتاح الحل، ومن هنا كانت هذه المرحلة مخصصة لتشجيع الاستثمارات الدولية والإقليمية لإحداث طفرة اقتصادية تسهم بشكل ملموس فى تحسين حياة الشعب الفلسطينى، سواء فى الضفة الغربية أو غزة، ولذلك حملت القمة عنوان «السلام من أجل الازدهار» وتم لهذا الغرض دعوة ممثلى الحكومات والشركات الكبرى ومنظمات المجتمع المدنى والمستثمرين من مختلف البلدان وبمشاركة إسرائيلية بالطبع, وهو ما تصوره الإدارة على أنه قفز على الحلول التقليدية التى أثبتت فشلها وأدت إلى تجميد عملية السلام, فتلك الصفقة لا تعترف بأهمية القرارات والمبادرات التى شكلت الإطار العام لمسار التسوية السلمية, بل هناك اعتقاد سائد بأن تاريخ القضية الفلسطينية هو سلسلة من الفرص الضائعة منذ رفض الفلسطينيون الانضمام لمباحثات مينا هاوس التى عرضها عليهم الرئيس الراحل أنور السادات إبان توقيعه اتفاقيات كامب ديفيد 1978وانعكس هذا الغياب على ماتضمنته بنود الاتفاقية، حيث أعطى لإسرائيل الفرصة لتغليب رؤيتها والتى اقتصرت على النص على إقامة سلطة حكم ذاتى لهم على أن تتبع لاحقا بمحادثات لتقرير الوضع النهائى، وهو ما أصر عليه السادات ليعطى لهم حق الاعتراض على ما لا يقبلون به عند الوصول إلى التسوية الشاملة، ولكن ما لم يقبلوه فى كامب ديفيد عادوا وقبلوا به فى اتفاقيات أوسلو 1993 التى أتت بنفس فكرة الحكم الذاتى وإن كان لفترة انتقالية, دون معالجة لملفات الوضع النهائى بما فى ذلك مشكلة الحدود ووضع القدس واللاجئين، ولم تفلح كامب ديفيد الثانية عام 2000 التى عقدت خصيصا لحل تلك القضايا فى حسم أى منها أو التوصل لحلول لها, ثم لا شيء ملموس بعد ذلك، فمضت المفاوضات متعثرة تمضى قدما حينا وتتوقف فى أحيان كثيرة، إلى درجة أوصلتها للجمود، والأخطر أن الاضطرابات والصراعات الإقليمية التى تشهدها المنطقة جعلت القضية برمتها تتراجع فى سلم الأولويات الدولية والإقليمية، ناهيك عن تفاقم الخلافات الفلسطينية ما بين السلطة فى الضفة وحماس فى غزة، وباتت حجة عدم وجود شريك فلسطينى للتفاوض معه هى الحجة الجاهزة التى ترددها إسرائيل دوما.

باختصار تريد واشنطن من «صفقة القرن» أن تُصبح نقطة من أول السطر، وتراهن على أن يكون المال والمشروعات الاستثمارية الكبرى بديلا عن الطموحات الفلسطينية فى إقامة دولتهم، وفقا لحدود 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة لها، وفى ذلك تفسير لتجنب مستشار ترامب وصهره ومهندس الصفقة جاريد كوشنر الحديث عن حل الدولتين، مشككا فى تصريح أخير له فى قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم، ويستعيض عنه بمصطلح «فلسطين الجديدة» التى ستشمل فقط أجزاء من الضفة الغربية إلى جانب قطاع غزة، والتى تعول فى تحقيقها على حلفائها الإقليميين خاصة السعودية فيما يتعلق بالتمويل بنسبة تقترب من الـ70%من إجمالى المبلغ المقدر.

شهدت الفترة الماضية بعض المستجدات التى ستقف عقبة أمام تمرير الخطة الأمريكية، فقد أعلن الجانب الفلسطينى مقاطعته التامة لورشة عمل المنامة، وهو الطرف الأصيل والمعنى بالتسوية، كما صرحت السعودية خلال قمم مكة الثلاث، الخليجية والإسلامية والعربية، أنه لا بديل عن القدس الشرقية عاصمة لدولة فلسطين المستقبلية, بما يخالف ما تقترحه تلك الصفقة، وكذلك أكد الرئيس عبدالفتاح السيسى فى حفل إفطار الأسرة المصرية أن مصر لن تُقدم على شىء يرفضه الفلسطينيون لتقرير مصيرهم, وأنه لا تنازل عن أى جزء من الأراضى المصرية, ومن الناحية المقابلة مازال الأوروبيون يتحفظون على الصفقة, بل وهناك فى الدوائر الأمريكية الدبلوماسية والبحثية من يرى أنها غير قابلة للتطبيق, أما المفارقة هنا فتتمثل فى الوضع الإسرائيلى الداخلى، إذ فشل رئيس وزرائها بنيامين نيتانياهو فى تشكيل حكومة ائتلافية بعد ما أخفق حزبه فى الحصول على الأغلبية البرلمانية التى تمكنه من تشكيل حكومته منفردا, ما أدى إلى حل البرلمان والدعوة لانتخابات جديدة فى سبتمبر المقبل، وهو ما يعنى أن شريك ترامب الأساسى فى الصفقة بات مأزوما.

هذه العوامل دفعت وللمرة الأولى وزير الخارجية الأمريكى مايك بومبيو وفقا لما نشرته الواشنطن بوست عن اجتماعه المغلق مع رؤساء الجاليات اليهودية بنيويورك، إلى الإعراب عن تشككه فى إمكان اكتساب «صفقة القرن» زخما الآن، وأيده الرئيس الأمريكى فى ذلك رغم تأكيده تمسكه بها بوصفها الفرصة الوحيدة المناسبة لتحقيق السلام من وجهة نظره.

هذه المؤشرات قد تعطى انطباعا إما بإلغاء الصفقة أو تأجيل الإعلان عنها، خاصة مع بدء الاستعداد للانتخابات الرئاسية الأمريكية, ولكنها مجرد تكهنات، فالمعروف أيضا عن ترامب هو ولعه بالصفقات وسعيه الملح لتنفيذ أجندته، وبالتالى فربما يلجأ إلى أسلوبه المعتاد فى الضغط والعقوبات بمنع المساعدات عن الفلسطينيين، أو يتخذ خطوة جديدة من جانب واحد بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على المستوطنات فى الضفة أسوة بما فعله حيال القدس والجولان، وكلها احتمالات مفتوحة.