قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 أحمد الصياد 

 في ظل رئاستها الاتحاد الإفريقي العام الحالي 2019، وتأكيداً على محورية دورها الإقليمي، وجدية سعيها نحو مكافحة الفساد بصوره كافة، استضافت مصر يومي 12 و13 حزيران (يونيو) الجاري في مدينة شرم الشيخ، "المنتدى الإفريقي الأول لمكافحة الفساد"، بمشاركة 48 دولة إفريقية، وحضور السعودية والكويت والإمارات والأردن كضيوف شرف. خرج المنتدى بتوصيات عشر، لعل أهمها العمل على إعداد خطة استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد ومنعه في القارة الإفريقية، ووضع مؤشر إفريقي لقياس الفساد في إفريقيا، وإعداد آلية إلكترونية مؤمنة للتبادل الفوري للمعلومات ومكافحة تمويل الإرهاب، وإنشاء آلية قانونية للتعاون بين دول القارة في شأن استرداد عوائد الفساد. ولا شك أن الفساد، بصوره وأشكاله المتنوعة، ظاهرة عالمية، لطالما ارتبطت بوجود الإنسان، وتطورت بتطوره، وتشعبت محاورها بتعقد الحياة، وتشابك الداخل والخارج، وتضافر السياسة والاقتصاد. علماً أن أي مجتمع لا يخلو منه؛ إذ لم تنجح دولة واحدة في التخلص منه نهائياً، وإن تقدمت الكثير من الدول في طرق مكافحته وحصره داخل حدود ضيقة غير مؤثرة على حركتها صوب أهدافها التنموية.

ويرتبط الفساد وتوسعه وآثاره وكفاءة سُبل مكافحته، بمجموعة من العوامل، لعل أهمها ديموقراطية الحكم بما تتيحه من فرص لفرض قيم بذاتها: سيادة القانون، والشفافية، والمساءلة والمحاسبة، وحرية الرأي والتعبير، وحرية تداول المعلومات، والحوكمة الرشيدة... إلخ. وفي السياق ذاته، تأتي أهمية المجتمع المدني، باعتباره مظهراً لا يحيد عن ديموقراطية المجتمع؛ إذ تعبر قوة مكونات المجتمع المدني، واتساع دورها، ورُقي موقعها في الثقافة المجتمعية، إلى جانب مدى ما تتمتع به من احترام محلي ودولي، باعتبارها الشريك الشعبي في إدارة شؤون الدولة إلى جانب المؤسسات الرسمية التي تمثل الحكومة، ذلك أن للمجتمع المدني دوراً مُعتبراً وفعالاً في مكافحة الفساد في المجتمعات الديموقراطية، وإن كان المجتمع المدني ذاته، خاصة جانبه الحقوقي، متهم في المجتمعات النامية بالفساد والعمالة، وهو بالفعل بوابة سهلة الاختراق من جانب القوى الخارجية المعادية.


وإلى فداحة الأثر السلبي للفساد على تحقيق أهداف الجهود التنموية، أشار تقرير أخير لوزارة التخطيط المصرية إلى أن الخسارة السنوية للقارة الإفريقية جراء الفساد تصل إلى 50 بليون دولار، خاصة وأن تقريراً حديثاً للبنك الدولي يكشف حقائق مروعة للفقر في القارة السمراء، منها أن نصف سكانها (جنوب الصحراء) يعيشون تحت خط الفقر، وأن الدول المصنفة الأفقر في العالم كلها إفريقية، باستثناء واحدة، وعلى رغم تراجع عدد الجياع في العالم منذ مطلع تسعينات القرن العشرين، وصولاً إلى العام الجاري 2019، فإن عدد الجياع في إفريقيا زاد خلال الفترة نفسها من 278 مليوناً إلى 461 مليوناً وفق آخر إحصائية صدرت عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة. والتي كشفت أيضاً أن 25 في المئة من جياع العالم يعيشون في أفريقيا التي يعاني 20 في المئة من سكانها سوء التغذية.

وتُعد منظمة الشفافية الدولية، إحدى المنظمات الدولية غير الحكومية (Transparency International) وهي منظمة مجتمع مدني ذائعة الصيت، معنية بالفساد في العالم كله تقريباً، سواء السياسي أم غيره. ومنذ العام 1995 بدأت المنظمة في إصدار ونشر "مؤشر مدركات الفساد" بشكل سنوي، ونجحت بالفعل في وضعه على أجندة مؤسسات دولية مرموقة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي؛ إذ تنظر هذه المؤسسات إلى الفساد باعتباره عقبة رئيسة أمام جهود التنمية. وفي تقرير منظمة الشفافية الدولية لعام 2018، احتلت دول الخليج مواقع متميزة، بينما حافظت دول الاتحاد الأوروبي على مكانتها في مقدمة أكثر المناطق مواجهة للفساد، في حين جاءت إفريقيا في المؤخرة بعد أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى. وعموماً، تؤكد المنظمة طردية العلاقة بين ديموقراطية الحكم والفساد. وبوضوح أشارت مديرتها التنفيذية باتريشيا موريرا إلى ما تواجهه المؤسسات الديموقراطية في العالم من هجوم التيارات الشعبوية والاستبدادية، وفي تعبير بليغ قالت: "ينخر الفساد المؤسسات الديموقراطية، فيتسبب ذلك في ضعفها، فتصبح أقل قدرة على مكافحته".

ومن أبرز مظاهر الفساد في أوروبا، الغربية الديموقراطية، الأزمة المالية التي عصفت بها في عام 2008، إذ فضحت زيف الفضائل التي طالما تحلت بها المصارف الأوروبية، حين تم الكشف عن حجم الاستثمارات في الأصول الفاسدة للمؤسسات الأيسلندية والدنماركية والسويدية تحديداً. أما أطرف ما أثار الرأي العام عن الفساد، بصوره المتنوعة، فصدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي صرح أخيراً بأنه مستعد لقبول معلومات تشوه خصمه في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة (2020) إذا كان مصدرها دولة أجنبية، وأضاف: "لا أعتبر ذلك تدخلاً أجنبياً في الشأن الداخلي لبلادي"، الأمر الذي يُعيد الجدل حول تلقيه مساعدات من روسيا للفوز في الانتخابات الرئاسية. وبالفعل استغلت المرشحة الديموقراطية إليزابيث وارين تصريحات ترامب وكررت دعوتها لمحاكمته وعزله.

من جهة أخرى، يرى محللون أن سقوط الاتحاد السوفياتي مطلع التسعينات من القرن الماضي، أدى إلى انتشار موجات من الفساد في الأوساط المالية الغربية؛ جاء ذلك في شهادة ريتشارد بالمر أمام لجنة في الكونغرس الأميركي في عام 1999، إذ شغل الرجل منصب رئيس محطة وكالة الاستخبارات المركزية في سفارة واشنطن في موسكو أوائل التسعينات، وشاهد عن قرب أحداث تفكك الاتحاد السوفياتي وصعود روسيا، وتجمعت لديه معلومات موثقة عن أن المخابرات الروسية (كي جي بي) طورت أثناء الحرب الباردة فهماً واعياً للمصارف الغربية، وسرعان ما امتهن كبار الجواسيس توزيع الأموال على كبار الوكلاء في الخارج، مستغلين ضعف الدولة الوليدة (روسيا)، فتكدست ثروات جديدة في الغرب، الأمر الذي قابلته الدول الغربية بسعادة بالغة باعتباره دليلاً علي انتصارها، بينما كان الفساد يتمدد ويتعمق في أوصالها قادماً من روسيا، ليُغرق اقتصادات الغرب، ولم تكن الأزمة المالية العالمية في عام 2008 إلا واحدة من أبرز صوره.