محمد بدر الدين زايد&&
تأتي أنباء اتفاق الأحزاب العربية الرئيسة الأربعة على خوض الانتخابات الإسرائيلية المقبلة في قائمة موحدة، لتشكل تحولاً مهماً وخبراً طيباً يعيد بعض التفاؤل إلى المشهد العربي والفلسطيني الراهن.
سبق أن كتبت في نيسان (أبريل) الماضي مرتين متتاليتين عن النتائج السلبية التي شابت نمط التصويت العربي في الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، والتي أسفرت عن نكسة كبيرة للتمثيل العربي في الكنيست، نتيجة انقسام الأحزاب العربية وشيوع الدعاوى الانهزامية التي أدت إلى انخفاض المشاركة العربية في هذه الجولة الانتخابية وانخفاضها إلى قرابة نصف الكتلة التصويتية، مقارنة باليهود الذين تصل نسبة مشاركتهم إلى نحو الثلثين. ووصل الاضطراب التصويتي إلى حد تصويت نحو 400 ألف صوت عربي لصالح أحزاب يمينية إسرائيلية، كما انخفضت المشاركة العربية كذلك بسبب كاميرات المراقبة التي وضعها حزب "الليكود" في البلدات العربية لتخويف الناخبين العرب وعدم تشجيعهم على التصويت. دعوت آنذاك إلى ضرورة اتحاد الأحزاب العربية بما يمكنها من تحسين النتائج وأوضاع عرب الـ 48.
وربما كان فشل بنيامين نتنياهو في تشكيل حكومة إسرائيلية فرصة عظيمة لصالح تصحيح الأخطاء من جانب هذه الأحزاب في الانتخابات السابقة. ومن المهم أن نتذكر هنا، أن فشل نتنياهو في تشكيل حكومة، يقدم فرصة لكل الأطراف الإسرائيلية، ولعرب الـ 48 لمراجعات مهمة تخفف من المأزق الذي وضع فيه اليمين المتطرف ذاته وبلاده والمنطقة فيه. ومع أهمية الحذر في التفاؤل، فإن علينا أن ننتظر ما إذا كانت عودة إيهود باراك على رأس تجمع انتخابي يساري كافية لحلحلة الموقف، ووقف حال الاندفاع العنصري الإسرائيلي، على رغم أنني شخصياً لا أثق في قدرة اليسار الإسرائيلي تاريخياً على قيادة عملية سلام، كان رئيس الوزراء الراحل إسحق رابين استثناءها الرئيس ودفع حياته ثمناً لذلك. مع هذا، كشفت استطلاعات للرأي أجريت أخيراً، استمرار تقدم اليمين الإسرائيلي وأن فرص انتهاء هيمنته المستمرة منذ سنوات طويلة مازالت ضعيفة. ومع ذلك، علينا أن ننتظر بعض الوقت لمراقبة تفاعلات الأسابيع الأخيرة قبل عقد هذه الانتخابات في أيلول (سبتمبر) المقبل.
لقد أحسن "التجمع العربي الديموقراطي" صنيعاً بانضمامه إلى هذا الاتفاق بعد أيام قليلة من إعلانه الأسبوع الماضي. ووفقا لذلك، سوف تبدأ "القائمة العربية المشتركة" بزعيم "الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة" أيمن عودة، ثم الأمين العام لـ "التجمع الوطني الديموقراطي" أمطانس شحادة، ثم زعيم "الحركة العربية للتغيير" أحمد الطيبي ومؤسسها، يليه زعيم "القائمة العربية الموحدة" منصور عباس. وإذا كان الموقف الفلسطيني الحرج يقتضي الوحدة الشاملة، لا تقلّ أهمية وحدة هؤلاء المرابطين الذين يعانون التهميش والمعاملة العنصرية بشكل بالغ القسوة.
ولعل هذا التطور المهم، يطوي صفحة بلا رجعة للانقسام العربي في إسرائيل، فما هو استراتيجي الآن، يحقق مزيداً من الحضور والتمثيل الفلسطيني العربي في الكنيست الإسرائيلي، وفي هذا المجتمع الذي تزداد تحولاته تجاه مزيد من العنصرية والغطرسة. ومرة أخرى، فإن هذا الحضور ليس مطلوباً فقط للتصدي لهذه العنصرية والتحالف مع القوى الأكثر عدالة وإنسانية بالمفهوم النسبي، إنما أيضاً لأن من حق هؤلاء المرابطين الدفاع عن حقوقهم وإنسانيتهم، ما لا يمكن تحقيقه إلا بتحولهم إلى قوة ضغط مؤثرة في الحياة السياسية الإسرائيلية.
وإذا كنت تناولت في مقالات سابقة معضلة الدروز، وكيف اكتشفوا متأخرين للأسف أن هذه الدولة العنصرية التي خدعوا أنفسهم بالتماهي معها وخدمتها، لفظتهم بقسوة شديدة عندما أصدرت قانون "يهودية الدولة"، فربما حان الوقت المناسب ليقوموا مراجعة كل العقود السابقة وأخطائها. ربما يصر البعض على اتباع نهج التعامل السلبي معهم، لكني أظن أن هذه فرصتهم للعودة إلى هويتهم وأصولهم العربية. ولعلي هنا آمل من قيادات الدروز في سورية ولبنان، تقديم الدعم المعنوي اللازم لدروز فلسطين، ومساعدتهم على تخطي هذه المراجعة الصعبة وإصلاح هذا الخطأ التاريخي، وإذا قاموا بهذه الخطوة، فإن الحكمة تقتضي طي صفحة الماضي ومساعدتهم عربياً على إعادة الإندماج في مجتمعهم العربي، والمشاركة في دعم المجتمع العربي الفلسطيني داخل إسرائيل في نضاله المشروع الذي يمكن أن يصبح في طليعة النضال الفلسطيني. والكل يعرف أن المراهنة المستقبلية على هذا الدور هي أكثر ما يقلق إسرائيل. ولكن الأخيرة ، دلاً من أن تتحلى بالحكمة لبناء سلام حقيقي وتستوعب مكوناتها، تفضل خيار العنصرية الأحمق الذي لم ينتصر دوماً عبر التاريخ.
صحيح أنه لم يحدث في انتخابات سابقة أن حقق الصوت العربي الذي يمثل نظرياً 20 في المئة من الكتلة السكانية الإسرائيلية، ما يقارب نسبته في الدولة الإسرائيلية، ولكن الاقتراب من هذه النسبة، ربما يشكل تحولاً إستراتيجياً مهماً في إدارة الصراع العربي – الإسرائيلي ويستحق المحاولة.
تابعت أخيراً تقارير في وسائل إعلام مصرية تضمنت مقابلات وحوارات مع شخصيات فلسطينية في إسرائيل، وهو ما دعوت إليه أيضاً في نيسان (أبريل) الماضي. ولعلي أقول أن ما يمكن تقديمه من دعم معنوي وسياسي إعلامي عربي لشعبنا الفلسطيني في إسرائيل، سيترجم دعماً نفسياً خبرناه نتيجة تفاعلات سابقة، ونوعاً من الرضى النفسي الذين هم بحاجة كبيرة إليه.
كما تقع مسؤولية كبيرة على قيادة السلطة الفلسطينية والقيادات الفلسطينية حتى في غزة، لتقديم التشجيع والدعم لهم حتى ولو بالكلام النابع من إدراكٍ حكيمٍ بأن نضالهم وما سيحققوه ستكون له تداعياته على الموقف الفلسطيني كله، وعلى التوازنات داخل إسرائيل. ومن لا يدرك أهمية هذه التوازنات وأثرها في مجريات الصراع، فهو الخاسر، إذ لم يعد من السلوك الرشيد الآن تجاهل مدى تعقيد الصراع والمواجهة ضد إسرائيل، ومن ثم ليس من الحكمة إعادة استنساخ سلوك المقاطعة والدعوات إليها، وهو ما لم يحقق الشعب الفلسطيني منه شيئاً. وتراودني دوماً شكوك في دوافع من يتصدرون لدعوات المقاطعة هذه، وتغليفهم لهذه الدعاوى بثورية أو تشدد زائف ربما آن الآوان الآن للتصدي له بقوة وحسم.
أخيراً، سيخوض عرب الـ 48 هذه الجولة الصعبة في جو من الإرهاب والتجاوزات اليمينية الإسرائيلية، التي تبدو مسألة الكاميرات السابقة الذكر من أبرز تعبيراتها، والتي لم تتجاوب اللجنة الانتخابية الإسرائيلية مع الشكوى في شأنها، بما يدمغ مجدداً الديموقراطية الإسرائيلية المشوهة، ويشكل أساحة للمواجهة وكشف هذه العنصرية، ويستحق ذلك جهوداً إضافية من قبل كل من يؤمن بالحقوق الفلسطينية ويتعاطف معها، ولعدم ترك عرب الـ 48 وحدهم في ساحة المواجهة، فهل من يسمع؟
















التعليقات