قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

 أحمد الحناكي 

لدي عشق كبير لروايات الراحل المصري الكبير نجيب محفوظ الذي حاز "جائزة نوبل للآداب" في عام 1987، ومن ضمن هذه الروايات ثلاثيته الرائعة "بين القصرين" و"قصر الشوق" و"السكرية".


تتلخص الرواية بالحديث عن عائلة السيد أحمد عبدالجواد ومن يدور في فلكها خلال فترة زمنية طويلة كانت بدايتها أثناء الاحتلال الإنكليزي قبل ثورة أحمد عرابي في عام 1919، ونهايتها في عام 1943، رابطاً حياتهم من خلال الحياة السياسية في مصر في تلك الفترة بأسلوبه السلس الممتع.

عظمة محفوظ تكمن في ذلك السرد وقراءة ما في الأفكار وكتابتها للجميع وكأنها لوحة مرسومة بدقة متناهية، بحيث يأخذك في حارات القاهرة القديمة متنقلاً بك بين دهاليزها وأماكن الترفيه والفن والطرب والأحزاب السياسية والمسارح والدوائر الحكومية والترامات والمتاحف. أي بالإجمال، ينقل إلى القارئ صورة للحياة المصرية من خلال تلك الطبقة المتوسطة.

الشخصية الرئيسة للرواية، هي أحمد عبدالجواد، ذلك الرجل الطويل القامة والعريض المنكبين بعيونه الحادة وصوته الجهوري وشخصيته القوية، والذي بمجرد دخوله المنزل، يتحول الجو إلى صمت كالقبور، خوفاً من رد فعله، خصوصاً أن من السهل استفزازه. زوجة أحمد تستقبله مثلما تودعه بالأدعية والبخور، مؤمنة بأنها تتعامل مع قديس وليس مع إنسان كغيره من البشر، إذ تمكث عند قدميه خانعة قانعة تنتظر أوامر "سي السيد" كما تسميه. ولو تفضل عليها أحمد ببسمة أثناء يومه الطويل تكاد تطير من السعادة لهذه الهبة الملكية. ثم تخلع عنه أحذيته وجواربه وتضع قدميه في إناء من الماء الساخن وتغسلهما، بينما يجلس مسترخياُ بكبرياء، منتظراً من زوجته، أو جاريته بشكل أكثر توصيفاً، أن تسرد عليه أخبار العائلة، ويا ويلها لو نسيت خبراً يرى أنه مهم وعرف به وفي وقت لاحق. يعلق الزوج تعليقات مقتضبة، بينما تفغر الزوجة فاهها من الانبهار والدهشة والاعجاب بما يقوله "سي السيد". وعندما يعدون له الافطار أو الغداء أو العشاء، يأكل وحيدا بينما الأبناء واقفين على راسه أشبه بالحجاب، وعند انتهائه، يتسابقون للأكل من بعده لعله نسى بيضة من هنا أو هناك في فطور أو قطعة من اللحم في وجباته الأخرى.

في البيت قائمة من المحرمات تكاد لا تحصى، بينما لا يسمح إلا للرجال بالنقاش، وهو عموما نقاش من طرف الأب وحده، وما على الأبناء أو "الثيران" كما يسميهم إلا الموافقة بإذعان، والويل كل الويل لمن يمس تلك الأوامر أو يكسرها.

عندما يخرج "سي السيد" في الليل محملاً بدعوات الست أمينة، يتحول إلى شخصية أخرى ويذهب إلى شاليهات خاصة به وبثلاثة من أصدقاء عمره، ليخلع ثياب ذلك المحافظ الملتزم وينقلب ذلك المتجهم إلى وجه ضاحك باسم، يرقص ويشرب ويغني ويضرب الطبل ويقضي ليلته مع النساء راكلاً كل القيم الدينية والأخلاقية.

في تصوري أن هذه الشخصية موجودة حتى الآن، لكن الفرق هو أن محفوظ، كان أول من ألقى الضوء على هذه التناقضات بأسلوبه الأدبي الرفيع.

تحولت الرواية إلى فيلم سينمائي من ثلاثة أجزاء، كان الجزء الأول منها "بين القصرين" في عام 1962 وقام بدور شخصية أحمد عبدالجواد الممثل العملاق يحيى شاهين، فيما كان الجزء الثاني "قصر الشوق" في عام 1966، بينما كان الثالث والأخير "السكرية" في عام 1973.

وفي عام 1987 تحولت الرواية إلى مسلسل تلفزيوني وكانت شخصية عبدالجواد من نصيب العملاق الآخر محمود مرسي.

قبل أيام، وفيما كنت أتنقل بين القنوات كانت إحداها تعرض مقاطع للفيلم والمسلسل مركزة على شاهين ومرسي، وبظني أن الذي اختار شاهين، ثم من اختار لاحقاً مرسي، كان ذو عين فنية خبيرة، فقد أبدع الاثنان كالعادة في أدوارهما، ومن قرأ الرواية ثم شاهد الفيلم وبعده المسلسل (أسعفني الحظ في ذلك) سيشعر بسعادة، مستمتعاً بهذه المبارزة الفنية بين عملاقين، على رغم أنها ليست مباشرة ولا مقصودة، ناهيك عن أن المسلسل يختلف من دون شك عن الفيلم.

أنصح من لم يقرأ "الرواية" أو يشاهد الفيلم أو المسلسل، أن يبدأ بالرواية وسيحبها بلا ريب، وأستطي أن أجزم بأنها ستفتح مدارك معينة له عن الحياة المصرية في ذلك الوقت.