قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الحسين الزاوي

تستعمل قواميس العلوم السياسية مصطلحات عديدة دالة على تعقيد وتشابك المشهد السياسي في المجتمعات المعاصرة، وتشير مصطلحات مثل «جماعة الضغط» أو «جماعة المصلحة» إلى تنظيمات غير تقليدية، تختلف وظيفتها وأهدافها عن العمل الذي تمارسه الأحزاب السياسية؛ لكون هذه التنظيمات لا تسعى إلى استلام السلطة أو إلى ممارستها؛ بل إلى الدفاع عن قضايا ومصالح معلنة أو غير معلنة لدى السلطات السياسية والإدارية. ويمكن لهذه الجماعات أن تدافع عن مصالح مهنية ومالية وأيديولوجية أو حتى عقائدية، مثلما يحدث بالنسبة للأقليات الدينية والمذهبية، ويمكنها أن ترفع شعارات عديدة من قبيل الدفاع عن حقوق الإنسان والبيئة، وعن حرية التعبير والإعلام.

ويؤكد جان فرانسوا دورتيه، أن مثل هذه المجموعات التي تهتم بتحقيق مصالح معينة، تستعمل وسائل متنوعة لإسماع صوتها، من خلال العمل على استمالة الرأي العام والتنظيمات السياسية والمهنية، وحتى الشركات التي تكون مستعدة للتحالف معها، وتعمل على خلق تيار عام يندفع إلى التعاطف معها، وذلك من خلال المشاركة القوية والمؤثرة في النقاش العام، وفي حملات التواصل التي من شأنها التأثير في قطاع كبير من المجتمع، وتستخدم أعمالاً مستفزة ولافتة للنظر تكون أحياناً عنيفة، وتجتهد في إبراز حسنات مطالبها الفئوية لكي تبدو وكأنها تمثل مصلحة عموم أفراد المجتمع، على غرار ما تقوم به نقابات المعلمين، عندما تدعي الدفاع عن مصلحة أطفال المدارس.

ويرتبط نشاط جماعات الضغط بعمل اللوبيات التي تسعى بشكل مباشر إلى الدفاع عن قضايا، وعن مصالح تختلف شدة وضوحها باختلاف النظام السياسي السائد في المجتمع، وذلك لدى من هم مرشحون لتولي مناصب حساسة ولدى المصالح الإدارية والجهات الحكومية من قاعدة الهرم إلى قمته، من خلال استخدام حجج ومبررات سياسية وتقنية في منتهى التنظيم والإحكام والاحترافية.
هناك إذن، صلات قوية في العديد من الدول مثل الولايات المتحدة، وألمانيا، بين جماعات الضغط والزعماء السياسيين والأحزاب الرئيسية المؤثرة في اللعبة السياسية، ويدفع ذلك المشرعين وصناع القرار إلى الأخذ في الحسبان، مصالح الفئات المختلفة المشكِّلة للوبيات وجماعات الضغط في سياق تعاون وتنسيق واضحين، بين المسؤولين التنفيذيين وجماعات الضغط التي تتميز عادة بحضور إعلامي لافت. وعندما يتجاوز هذا التعاون سقف المصلحة العامة، تتحوّل الروابط بين جماعات الضغط ورجال السياسة والمال، إلى علاقة غير شرعية تخرج عن سياق الدفاع عن المصالح الفئوية التي يمكن للمجتمع تفهمها، وتؤدي بالنخب واللوبيات إلى السقوط في مستنقع الفساد.

ويمكن القول إن الفساد يمثل ظاهرة منتشرة بدرجات متفاوتة في معظم دول العالم، نتيجة للتداخل الحاصل بين مصالح الأفراد والمصلحة العامة، على الرغم من وجود أجهزة الرقابة التي تحرص على ضمان أعلى درجات الشفافية في التعامل بين المتعاملين الخواص والجهات الحكومية. ونتيجة للتجاوزات العديدة التي تحصل في كثير من الدول والناجمة عن الكسب غير المشروع، فإننا نلاحظ انتشاراً غير مسبوق للخطابات السياسية التي تسعى إلى الترويج لحملات الأيادي النظيفة، التي تستعمل في أحايين كثيرة دعوات محاربة الفساد كحصان طروادة من أجل تنفيذ أجندات سياسية.
لقد أبانت التطورات السياسية أن الكثير من قضايا الفساد التي أثيرت في بعض الدول جرى تفجيرها من أجل خدمة أجندات سياسية وانتخابية، حيث تم اختيار توقيت إعلان فضائح الفساد بعناية فائقة لتحقيق أكبر عدد ممكن من المكاسب السياسية، كما حدث في فضائح عديدة مثل فضيحة ووترجيت التي أطاحت الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون سنة 1968، والتي تبيّن فيما بعد أنها كانت بمثابة تصفية حسابات على مستوى أعلى هرم السلطة، كما أوضح ذلك نعوم تشوميسكي، وفضيحة مرشح الرئاسة الفرنسية فرانسوا فيون ذات الصلة بمنصب العمل الوهمي الذي حصلت عليه زوجته، وهي الفضيحة التي أسهمت بحسب كل المراقبين في فوز ماكرون بمنصب الرئاسة، ثم إدانة مرشح الرئاسة في البرازيل سنة 2018 لولا داسيلفا، في قضايا فساد من طرف قاضٍ يشغل الآن منصب وزير العدل في حكومة الرئيس اليميني جايير بولسونارو.
ولا تتوقف الريبة التي تثيرها هذه القضايا عند هذا الحد، فرجال الإعلام الذين يقومون بإثارة قضايا الفساد يخدمون في الغالب أجندات سياسية خفية، كما أن منظمة الشفافية الدولية التي تأسست سنة 1993 من طرف رجل المخابرات الأمريكي السابق ميخائيل هيرشمان، رفقة عضوين سابقين من البنك الدولي، تطارد الفساد في كل العالم ولكنها تعجز عن رؤيته في أمريكا.

&