قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

هيلة المشوح

ليس من المنطق أن يظن بشر بأن إيران تنتصر للشيعة في أي بقعة من العالم، بل من السذاجة أن يعتقد شيعي أن الثورة الإيرانية اضطلعت بدور المنقذ، تمهيداً لمجيء المخلص المنتظر، فإيران الخمينية صنعت المأساة لتوهم دهماء الشيعة بأن الحلول غير ممكنة دون تقديم الولاء، فاستمرأت تعبئة البسطاء بالمظلومية، وبالتالي انتظار الخلاص، وها هي اليوم في العراق بعد أن امتصت خيرات شعبه -سنةً وشيعةً- تنزل وسط ساحات الاحتجاجات لتقتل أبناءه بدم بارد من خلال قناصة يتبعون لميليشيات «الحشد الشعبي»، وبدعم من قوات مكافحة الشغب العراقية الموالية لطهران. فهل من خلاف على وحشية النظام الإيراني تجاه ما يتعارض ومصالحه، خصوصاً عندما يكون التهديد قادماً مما يعتبره ساحته الخلفية -أي العراق- ومن قلب بغداد عبر سيل بشري هادر وجيل من الشباب العراقي الأبي الذي حمل روحه على كفه وخاض «معركة الكرامة والهوية» على أرضه ضد رحم الفساد والفوضى وهدر المقدرات والسطو على قوته ولقمة عيش شعبه. وعند احتماء الوطيس، لاشيء يعادل الوطن عند شباب الرافدين، والذي لن يخسر أكثر مما خسره حين خسر وطناً لابد من استرداده حتى ولو كلفه ذلك أرواحه!

الاحتجاجات الدائرة في العراق، والتي لم تهدأ حتى كتابة هذا المقال، جاءت مفاجئة بعد أن بات العراق وطناً مشاعاً للصوص ذوي الولاءات والأجندات الإيرانية وهيمنة الميليشيات التي أصبحت ذات نفوذ سياسي في البرلمان وطموحات عسكرية خارجية، كميليشيا «كتائب حزب الله» العراقي التابعة أيديولوجياً لولاية الفقيه في إيران، والتي تشكلت بعد سقوط بغداد عام 2003 على يد الجيش الأميركي. ولأجل ذلك تجمعت عدة فصائل وكتائب شيعية، منها «لواء أبي الفضل العباس» و«كتائب كربلاء» وميليشيا «زيد بن علي».. لتتوحد جميعها تحت لواء «حزب الله العراقي»، وبإمدادات عسكرية إيرانية تشمل صواريخ قادرة على الوصول إلى شرق الأراضي السعودية، والطائرات المسيرة بدون طيار. ويرجح المراقبين ضلوع تلك الميليشيا، من خلال تلك الأسلحة، في عدة عمليات وتفجيرات خارج الحدود العراقية، كالعملية الأخيرة لتفجير منشآت نفطية شرقي المملكة العربية السعودية.

وقد ساهمت الإمدادات اللوجستية والذخائر الحربية الممولة من إيران، في تأسيس قاعدة العامري العسكرية التابعة لهذه الميليشيا شمالي بغداد، والتي بدورها تتكئ على اقتصادٍ موازٍ يعتمد على النفط وتجارة المخدرات، تحسباً لأي متغيرات سياسية أو اقتصادية، تماماً كما تعمل جماعات المافيا لتكوين دولة داخل الدولة. وإذا كانت ثمة دولة داخل دولة العراق، فهي بلا شك دولة الفوضى والعبث التي تفرضها هذه لميليشيات الموالية لإيران!
إن جيلا جديداً من أبناء العراق بدأ يستيقظ بعد سبات الجيل الذي سبقه، فدقت طبول الخلاص الحقيقي من الاستيطان الإيراني للأرض والعرض والهوية ولقمة العيش. نعم الهوية، هوية العراق التي طمستها أيادي العبث الإيرانية، هوية أبناء الرافدين وما بين النهرين.. أبناء دجلة والفرات وأبناء أرض الحضارات السومرية والبابلية والآشورية، ومدارج المتنبي والفرزدق وموطن البياتي والجواهري والرصافي والزهاوي.. وأيضاً ساحة العزة والكرامة لشباب اليوم الذين صدحوا بهتافات «إيران بره بره.. عراق تبقى حرة حرة»، الذين سيفتحون مغارة علي بابا يوماً ما ويستردون إرثهم وكرامتهم، ويحكون لأحفادهم لاحقاً حكايات ألف ليلة وليلة من «الواقع» العراقي!