قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

عبدالله السويجي

مواقف الدول العربية المعلنة ضد الخطوة التركية مطلوبة، والمطلوب تصعيدها أكثر إذا ما استمرت تركيا في تنفيذ مشروعها.
تخالف تركيا اتفاقية أضنة، التي وقعتها مع سوريا في عام 1998 ونصت على السماح للقوات التركية بدخول الأراضي السورية بعمق خمسة كيلومترات لدواعي أمنية، وخاصة لمطاردة مقاتلي حزب العمال الكردستاني، الذي تصنفه تركيا بالإرهابي، وتسعى الآن إلى إنجاز منطقة أمنية بعمق يتراوح ما بين عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً لمحاربة الحزب ذاته، بزعم «القضاء على الإرهابيين بشكل كامل، والحؤول دون استعادة تنظيم داعش لقوته».
وفي سعيها هذا ستحارب قوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة، هذه القوات التي تمكنت من دحر تنظيم «داعش» في مناطق سورية كثيرة أهمها محافظة الرقة.
ومن هذه الحيثيات تبرز المتناقضات المخالفة لاتفاقية أضنة، والمتناقضة، في محاربة تنظيم «داعش» الذي كانت تركيا، وربما لا تزال، تسهل مروره إلى الأراضي السورية بسلاحه وعتاده. والمتناقضات تكمن أيضاً في غض الولايات المتحدة الطرف عن استهداف حليفتها قوات سوريا الديمقراطية، وقد وجهت هذه القوات سابقاً تهمة للولايات المتحدة بتخليها عنها.

وفي النتيجة، تُعتبر تركيا قوات غازية تهدف إلى احتلال أراضي سوريا بحجة إعادة اللاجئين السوريين إلى قراهم.
العلاقات المتأزمة بين تركيا وسوريا عمرها أكثر من ثمانين سنة، عندما قامت تركيا بضم لواء الإسكندرون السوري عام 1938 بدعم من الانتداب الفرنسي، وعندما أنشأت في تسعينات القرن الماضي سلسلة من السدود الكبيرة على نهر الفرات، وحجزت جزءاً كبيراً من مياهه، كما حجزت مياه نهر الخابور حتى توقف جريانه في الأراضي السورية. وتأزمت العلاقات أكثر حين اتهمت تركيا الحكومة السورية بإيواء مقاتلي حزب العمال الكردستاني، وهددت في عام 1998 باجتياح الأراضي السورية لوقف هجمات حزب العمال وإيواء قائده عبدالله أوجلان. وتم نزع فتيل الأزمة بتوقيع اتفاقية أضنة في عام 1998 الذي يدعو الرئيس التركي الآن إلى مراجعة بنودها؛ لأنها لا تسمح له بالتوغل في الأراضي السورية أكثر من خمسة كيلومترات.
ما يثير الدهشة في العلاقات التركية السورية هو توقيع تركيا وسوريا اتفاقية للتجارة الحرة بين البلدين في عام 2004، والأكثر غرابة هو تفعيلها قبل اندلاع الحرب الأهلية في سوريا بأربع سنوات أي في عام 2007، لينقلب الموقف التركي بقيادة حزب العدالة والتنمية 180 درجة بعد انطلاق الاحتجاجات في سوريا، فيطالب أردوغان، الرئيس السوري بشار الأسد، بالتنحي وترك السلطة، بل ونعته بالدكتاتور، في تدخل مبكّر وسافر في شؤون الدولة السورية، وسبقه بتدخل سافر في شؤون الدولة المصرية، حين دعم «الإخوان المسلمين» ورحب بفوز الرئيس الراحل محمد مرسي، وواصل أردوغان استهتاره بالعلاقات الدولية حين تدخل في الشؤون الخليجية، وأعلن العداء لها لأنها اتخذت موقفاً حاسماً ضد جماعة «الإخوان المسلمين».
يبدو أن إمساك «الإخوان المسلمين» بالسلطة لعام في مصر، فتحت شهية رجب طيب أردوغان لتنصيب نفسه خليفة للمسلمين، وتضاعفت شهيته مع بدء المعارك المسلحة في سوريا بين الجيش النظامي والميليشيات، واعتقد أن الرئيس السوري قاب قوسين أو أدنى من السقوط، لهذا دعم المسلحين المتشددين مثل «جبهة النصرة» وتنظيم «داعش»، وهما الذراعان العسكريتان ل«لإخوان المسلمين»، طامحاً لتوسيع نفوذ «الإخوان»، الذي سيؤدي إلى توسيع نفوذه أيضاً، فيضم سوريا تحت جناحيه، ويبدأ ببعث الإمبراطورية العثمانية من جديد.

لم يستخلص أردوغان، الدرس من التحولات في مصر، ورفض الشعب المصري العيش تحت الحكم «الإخواني»، فظل يحاول ويسعى، وحين أدرك اندحار المقاتلين المتشددين في سوريا، اخترع المنطقة الآمنة بعمق ثلاثين كيلومتراً، ما يعني الاعتداء السافر على الأراضي السورية واحتلال أراضيها بالقوة.
ولعل الرئيس التركي، سيبتلع الطعم الذي ابتلعه صدام حسين، حين اعتقد أن الولايات المتحدة منحته الضوء الأخضر لاحتلال الكويت، وكان موقف الولايات المتحدة آنذاك مبهماً، والموقف ذاته تكرره مع خطوة أردوغان غير المحسوبة بدقة، ولوّح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مرة بالجزرة ومرة بالعصا، لكن تلويحه الأخير كان أقوى وهدد بتدمير الاقتصاد التركي. وظننا بنصب الولايات المتحدة لتركيا فخاً يستند إلى سياسات تركيا الأخيرة بشأن التسلّح ومواصلة دعمها للمتشددين.
نعتقد أن مواقف الدول العربية المعلنة ضد الخطوة التركية مطلوبة، والمطلوب تصعيدها أكثر إذا ما استمرت تركيا في تنفيذ مشروعها.