قرائنا من مستخدمي واتساب
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق واتساب
إضغط هنا للإشتراك

فـــؤاد مطـــر

استوقفتْني وأنا أتابع يوميات الحراك الشعبي، في عراق التراث وعراق الحنين إلى العروبة، وكذلك العراق النخوي وعزة النفس، عدة محطات لا يملك المرء إلا أن يسجل وقفة من التأمل أمام بعض منها، كونها ترتبط بما يعيشه العراق من حراك على المستوى الشعبي، سبقه تحرك بالغ الأهمية على صعيد وضْع نقاط على الحروف بالنسبة إلى قضايا تتصل بالولاء والهوية وتنقية المناخ السياسي والاجتماعي من شوائب. وهذا التوجه عموماً أحدث، على ما يجوز الافتراض، صدمة لدى أهل الحُكْم في إيران الذين رأوا أن كل خطوة يخطوها النظام في العراق في اتجاه استعادة مقومات شخصيته السيادية وهويته العروبية هي، في واقع الحال، على حساب اتساع فضاء التأثير الإيراني على مجريات القرار العراقي، وهذا سينتهي بفعل تراكُم الخطوات إلى حالة استنهاض، هي عملياً ما يعيشه العراق منذ ثلاثة أعوام.

بداية المحطات التي هي المدخل إلى ما يعيشه العراق، وتتمثل في القيام بزيارات، بدءاً بالخطوة الصدرية، التي أرادها السيد مقتدى رسالة في أكثر من اتجاه، وكان الهدف متجلياً: حُسْن الجوار يحقق الاستقرار للعراق الذي هو في أشدّ الحاجة إلى إعادة صياغة أهمية مكانته كواحد من الأرقام الصعبة في محيطيْه العربي والإقليمي، وهذا يكون بمسح متدرج للوجه العراقي الذي أتى التمكيج الإيراني على الكثير من قسمات ذلك الوجه. وحيث إن عبارة «النأي بالنفس» غدت أحد مقومات الطمأنينة والاستقرار وبناء العلاقة المتوازنة مع الآخرين، بدءاً بالشقيق العربي فالجار الإيراني والآغا التركي، فإن الخطوة الصدرية كانت بمثل حجر الأساس لبناء علاقة مع الشقيق الخليجي والشقيق المصري وسائر الأشقاء، من صغيرهم لبنان المبتلى بما ليس من مصلحة ديمومة صيغته واستقرار شعبه فرْضها موقفاً عليه اعتماده، وإن هو رأى ذلك غير مستحَب، وليس لمصلحة صيغته التوافقية التي بلورها «اتفاق الطائف» المضمون سعودياً وعربياً ودولياً.
بعد الخطوة الصدرية ذات البعد المعنوي حدثت الخطوات العملية، وتمت على قاعدة الود المقرون بالمصلحة المشتركة. زيارات واتفاقيات، وعلى أساس أن «عراق بريمر» إلى اندثار، وأن عراق بحبوحة الدور الإيراني إلى وجوب إعادة نظر، وأن عراق العلاقة المتجددة مع الأشقاء العرب إلى المزيد من التطوير رسمياً وشعبياً. وفي زيارات الرئيس برهم صالح ورئيس الحكومة عادل عبد المهدي ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي إلى بعض العواصم العربية، وكذلك فيما يقوله هؤلاء الرموز البعيدو النظر من كلام في مؤتمر تستضيفه بغداد أو في تصريحات يدلون بها خلال زيارات خارجية، ما كان يبعث الطمأنينة في النفس بأن العراق في الطريق إلى أن يستعيد الرقم الصعب، لا أن يبقى ساحة على نحو ما عليه الحال في سوريا ولبنان واليمن. وبعد الاستعادة المشار إليها، لا يعود القرار العربي على الوهن الذي هو عليه، ويصبح من مصلحة المتدخلين في شؤون غيرهم، سواء من خلال سياسة الأمر الواقع المغلف بالسلاح، أو حتى من خلال «الجيوش» الميليشياوية التي لم يعد خافياً أنها بدعة، وكل بدعة ضلال، الانكفاء أو الانصهار بصدق في المجتمع السياسي.
بالمقارنة مع حراك شعبي في كل من مصر ماضياً قبل خمس سنوات، وفي السودان منتهياً على نصر، وفي الجزائر حائراً مستمراً لا تبدو نهاية قريبة له، كما حال الحراك الشعبي اللبناني، فإن الحراك العراقي وجد من كبار أهل السلطة تسجيل وقفة احترام لمنطلقاته وللمشاركين فيه. فالرئيس برهم صالح خاطبهم عبْر التلفزيون خطاب المتعاطف المتفهم الباذل من النصح الموضوعي ما يهدّئ بعض الشيء من روعهم. ورئيس البرلمان محمد الحلبوسي جعل من السلطة التشريعية سنداً معنوياً للأطياف التي تخوض صولات الشكوى من سوء الحال، والاحتجاج على تباطؤ الحُكْم في معالجة قضايا الناس الصابرين على الضيم. ومثل هذا التفهم والتعاطف لم يجده الألوف من اللبنانيين الذين ملأوا ساحات بعض المدن، وأطلقوا من الاحتجاجات والشكاوى ما من واجب أهل السلطة إبداء التعاطف معهم والتفهم لمطالبهم ومخاطبتهم بتلقائية وليس من أبراج عاجية. لا الرئيس الأول فعل، مختصراً الحراك الذي بات حالة ثورية بالقول للسفراء العرب: «إننا نواجه حرباً كونية تستهدف بلدنا!»، ولا الثاني فعل ما من المأمول منه فِعْله. وعندما حاول ثالث الرؤساء أن يفعل، فإنه اختصر بالتنحي، فيما الحراك بات يمثِّل ثلاثة أجيال، حيث كان هنالك في الساحات الجد والجدة والوالد والوالدة والأبناء والبنات والأحفاد والحفيدات رافعين فقط علَم وطنهم، وتلك هي حركة الاحتجاج الأولى من نوعها التي تشارك العائلة بكامل أفرادها فيها. ولولا عظات حافلة بالنصح والتحذير من تجاهل مطالب الناس سجّلها رموز المرجعيات الدينية المسيحية اللبنانية، وبذلك كانوا من نسيج المرجع الشيعي الأعلى في العراق آية الله علي السيستاني القائل أمام مبعوثة الأمم المتحدة التي قابلتْه في مكتبه بمدينة النجف يوم الاثنين 11 نوفمبر (تشرين الثاني) 2019 «إن المحتجين السلميين لا يمكن أن يعودوا إلى بيوتهم دون نتائج ملموسة»، لكان سيؤاخذ رموز الطوائف تلك بمثل مؤاخذة الرئاسات اللبنانية الثلاث على موقفها الاستهاني، مع ملاحظة أن مَن عليهم من مرجعيات إسلامية لبنانية اتخاذ موقف،

كالذي اتخذه، أقرانهم المسيحيون كانوا شبه مغيِّبين أنفسهم عما هو حاصل.
ويبقى من المحطات ما يتعلق بدور الإعلام في زمن الانتفاضات التي تتنقل من ساحة إلى ساحات، وفي عدة دول عربية. وما نريد قوله، عدا الاهتمام النوعي من جانب الفضائيات اللبنانية في تغطية نشاط الحراك في كل الساحات اللبنانية، وكان له الأثر الفعال في إذكاء حيوية المشاركين، هو كيف أن الإعلام ليس فقط من خلال الصحافة والفضائيات يؤدي مهمة التعريف بما يحدث ونقْل المعلومة والصورة والتصريح للقارئ وللمشاهد، وإنما ثمة الواجب الوطني الذي يساهم فيه.
في عام 1986، تأثرت قطاعات من الشعب السوداني بالمجاعة الناشئة عن الجفاف. زمنذاك كان الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب (رحمة الله عليه) قد تولى رئاسة السودان بعد إسقاط نظام الرئيس جعفر نميري، واعداً بألا تتجاوز فترة حُكْمه سنة يسلِّم مع نهاية اليوم الأخير من السنة المقاليد لحكومة مدنية. ولقد وفى، لكن يا ليته بقي، وبذلك يوفر على السودان استقراراً لم يكتمل لحكومة حزبية مهدت الطريق أمام حُكْم إسلاموي مدني - عسكري بداية، ثم عسكري على مدى ثلاثين عاماً، إلى أن حدثت الانتفاضة الشعبية التي أثبت خلالها السوداني إذا غضب قدرة على التغيير، وضِمن تقاليد من التحمل والصبر وتَبادل مد اليدين إلى المؤسسة العسكرية، التي كانت تلبية بعض جنرالاتها لمصلحة أول صيغة حُكْم تشارُكي بِقطع الطريق على غواية الانقلابات. لكن ما نراه مدخلاً إلى الاستقرار هو عدم إدراج ظاهرة الاجتثاث بنداً في «أجندة» الحُكْم الوحيد.
في سنة مواجهة سودان الفريق أول سوار الذهب للمجاعة والجفاف كنتُ أنشر في لندن مجلة «التضامن» ذات الحضور اللافت في السوق السودانية، ووجدْنا أن من الواجب كلفتة أخوية تجاه السودان المساهمة، كمجلة أسبوعية، في حملة الإغاثة هذه، إطلاق حملة على صفحات المجلة بأمل أن تلقى التجاوب من قراء وشخصيات عامة في الدول التي يتم توزيع المجلة فيها.
أثمرت الحملة جمْع مبلغ، أهميته في رمزيته، وليس في كثرة أرقامه، فنحن عمل إعلامي، ولسنا مؤسسة رسمية، وأرفقْنا الشيك بقيمة المبلغ برسالة إلى سفير السودان لدى بريطانيا، إبراهيم محمد علي. وبعد أيام جاءتنا عن طريق السفير رسالة من الرئيس سوار الذهب كانت موضع اعتزازنا الكبير بها. الرسالة بالنص الآتي:
«عزيزي الأخ فؤاد
تحية طيِّبة،
تلقيتُ بيد الشكر والعرفان رسالتكم المؤرخة في 4 فبراير (شباط) 1986. والمُرفق معها الشيك رقمT 50 - 00 – 20 بمبلغ 3347.8 جنيه إسترليني عبارة عن حصيلة الحملة التي قادتها مجلتكم الموقرة من أجل إغاثة إخوتكم في السودان الذين تأثروا بالمجاعة والجفاف.

وأنتهز هذه الفرصة لأتقدم لكم باسمي وأعضاء المجلس العسكري الانتقالي وحكومة شعب السودان بأسمى آيات الشكر على الحملة التي رعيتموها، وعبْركم إلى كل الذين ساهموا أو اقتطعوا من قوتهم من أجْل إخوة لهم في العروبة والإسلام.
وسيظل ما قدمتموه لنا من عون، دَيْناً في أعناقنا، نسأل الله أن يوفقنا أن نردُّه لكم.
أرجو أن تتقبل تقديري وشكري، مع تمنياتي لمجلتكم الغرَّاء بالنجاح والتوفيق.
أخوكم فريق أول عبد الرحمن محمد حسن سوار الذهب
رئيس المجلس العسكري الانتقالي والقائد العام لقوات الشعب المسلحة».
ونختم بالقول: ما أشد حاجة لبنان، كما العراق في أيام العسر التي يعيشها الوطنان المغلوب إيرانياً عليهما إلى المزيد من حملة إغاثتهما، ليس من المجاعة، وإنما لحمل إخواننا في إيران على الاقتناع بأن خيرهم في وضع حد لتحرشهم، وترْك الآخرين يحمدون الله ويشكرون نِعمه.