مدة القراءة: 5-7 دقائق


المصدر الأكبر للنزاع الصيني الأمريكي يأتى من التكنولوجيا التي هي مفتاح العصر، وعلى ذلك فإن الصين اليوم قوة عظمى حقيقية.

يمر العالم اليوم بمرحلة من التاريخ تعد لحظة تحول إلى نظام دولي جديد، الاحتمالات تشير إلى أن من ينتصر في الحرب الدائرة الآن في مواجهة وباء «كوفيد 19»، هو من سيكتب التاريخ. والشواهد حتى الآن ترجح كفة الصين.

التحولات الكبرى في العالم لا تقع بين يوم وليلة، لكنها تتحرك ضمن تطور بطيء وممتد بمقاييس السنين، فإن من توقعوا التحول على هذا النحو، لم يكن في حسبانهم وقوع حدث مزلزل، من شأنه أن يدفع التحول بسرعة، ووفق توقعات قصيرة الأجل.

وكان لهنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، تحليل لصعود الصين في مقال عنوانه «الصراع ليس خياراً» يذكر فيه أن صعود الصين، مثله مثل صعود آسيا، سوف يثير بالتالي النظام الدولي في العقود القادمة، وسوف ينتقل مركز الشؤون العالمية من منطقة الأطلنطي إلى منطقة الباسفيك، لكن من الخطأ توقع صدام وجهاً لوجه بين أمريكا والصين.

إن التحولات الكبرى في تاريخ الدول والشعوب لا خصائص في تميزها، فيما تكون وراءها قوى رفع من مجموعة عوامل متنوعة، كل منها يتحرك في مسار يخصه، ففي النهاية تتجمع كلها عند نقطة التقاء، تأخذ بها معاً في تشكيل جماعي متناسق يصنع هذه التحولات، وما نحن بصدده الآن هو التحول الممتد نتيجة تفاعل هذه العوامل كقوة دافعة نحو القرن الآسيوي، والذي اقتحمت ساحته قوة دفع فيروس «كورونا».

يقول تقرير مجموعة الأزمات الدولية «ICG» إن اجتياح وباء كورونا للعالم، يحمل معه توقعات بكسر القدرات المألوفة لدول كبرى، وسيكون اختباراً حاسماً لأنظمة إدارة الأزمات الدولية، وإن الأثر الاقتصادي لتقييد الحركة والنشاط، يمكن أن يكون مدمراً لدول قام دولاب الانتاج بها على الدوران النشط.

أيان بريمر، المحلل السياسي المرموق في الولايات المتحدة، يقول في خطاب أمام منتدى سياسي في طوكيو عام 2019: إن الصين تبنى نظاماً متفرداً للتكنولوجيا كقطب منافس للغرب، ما يعد أكبر تهديد لنظام العولمة الحالي، وإن المصدر الأكبر للنزاع الصيني الأمريكي يأتي من التكنولوجيا التي هي مفتاح العصر، وعلى ذلك فإن الصين اليوم قوة عظمى حقيقية.

وجاءت أزمة «كورونا»، كما يقول البروفسور كومو ستيف في دراسته في 17 مارس الماضي، لتقنين فلسفة لنظام دولي جديد، وكما كانت مشاكل العالم قد تشابكت، فإن ما يلوح في الأفق الآن هو خطوط لنظام دولي، لا يبدو أن أمريكا تملك السيطرة عليه.

فبينما كان الفيروس في ذروة انتشاره، كان انعدام الثقة بين أمريكا والصين يقوض الفرصة لإيجاد جهود عالمية منسقة، وفي البداية اتبع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب سياسة رفض المشاركة مع الصين، لكن ما بدا من ضعف الموقف الأمريكي في مواجهة الوباء، أدى إلى تراجع ترمب عن هذا المسار.

يرى محللون أمريكيون أن هذا التغيير كان نتيجة اختبار الولايات المتحدة لصلابة وضع الصين، فكلما ازدادت الصين قوة كان من الصعب على واشنطن إجبارها على أن تكون في وضع أدنى من الوضع العالمي للولايات المتحدة، وإن أمريكا كلما حاولت دفع الصين إلى الحائط، ازدادت الأخيرة تشدداً، والنتيجة ستكون قاسية على الدولتين، وعندما تأكد أن وباء كورونا يجر العالم كله إلى أزمة اقتصادية، وسياسية، وإنسانية، كان ذلك دافعاً قسرياً على أمريكا للتراجع، أو على الأقل للتجميد الوقتي، لمبدأ التنافس الاستراتيجي مع الصين.

وربما يكون العالم مهيأ بعد أن تكون أزمة «كورونا» قد هدأت، لعصر جديد من التغيير. والشواهد للأحداث المتلاحقة ، توحي بأن الجميع بما في ذلك أمريكا، يدركون أن العالم يتحول، مع اقتراب الانتقال إلى القرن الآسيوي، خلفاً للقرن الأمريكي الذي كانت بدايته عام 1914.

ويبدو أننا الآن أمام اللحظة الفاصلة التي توقعها في عام 2009 كثير من المؤسسات الاستراتيجية ، بأن تبقى الولايات المتحدة متمتعة بوضعها قوة محورية للسياسات الدولية حتى عام 2020.. هكذا كانت رؤيتهم للمستقبل القريب قبل حوالى عشر سنوات .