في عام 2026، لا يواجه العراق أزمة سياسية عادية، بل يعيش داخل طبقة كثيفة من التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية، تتقاطع فيها الجغرافيا مع المصالح، وتتشابك فيها الصراعات مع هشاشة الدولة الوطنية. العراق اليوم ليس مجرد دولة مأزومة، بل عقدة توازنات في قلب الشرق الأوسط، حيث تتنافس القوى الكبرى، وتتصادم المشاريع الإقليمية، بينما تقف الدولة العراقية، المثقلة بتاريخ من الانقسامات وسوء الإدارة، أمام اختبار وجودي يتعلق بقدرتها على الاستمرار ككيان سيادي متماسك.
فموقع العراق الرابط بين الخليج وتركيا وإيران وبلاد الشام، وثرواته الطبيعية، جعلاه دائمًا جزءًا من معادلات الصراع لا خارجها. ومع تصاعد التوتر الأميركي–الإيراني، وإعادة تشكيل مهام التحالف الدولي، والتحولات الجارية في سوريا، بات العراق مكشوفًا أكثر من أي وقت مضى على ارتدادات الصراع الإقليمي، سواء عبر الضغوط الاقتصادية أو المعادلات الأمنية أو الاصطفافات السياسية العابرة للحدود. غير أن الخطير في المشهد ليس حجم التهديدات بقدر ما هو ضعف المناعة الداخلية للدولة في مواجهتها.
فالأزمة العراقية لم تعد محصورة في شكل النظام السياسي أو طبيعة التحالفات الحاكمة، بل امتدت إلى جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد أدى تراكم المحاصصة، وتآكل المؤسسات، وتراجع فكرة المواطنة، إلى إنتاج دولة عاجزة عن احتكار القرار، وعن فرض القانون، وعن حماية المجال العام من هيمنة شبكات النفوذ والسلاح والمال السياسي. وهكذا، تحوّل العراق تدريجيًا من دولة تبحث عن الاستقرار إلى ساحة مفتوحة لتوازنات الآخرين، ومن فاعل محتمل إلى موضوع دائم للتأثير الخارجي.
وفي هذا السياق، لم يعد تأجيل الحسم في الملفات السياسية الكبرى، وعلى رأسها اختيار القيادة التنفيذية القادرة على إدارة المرحلة، مسألة إجرائية أو خلافًا داخليًا قابلًا للاحتواء، بل أصبح عاملًا مفاقمًا للأزمة. فالعراق اليوم يحتاج إلى من يتولى مهام لا تُوصَف بالصعبة فقط، بل تكاد تكون مستحيلة في ظل التشابك غير المسبوق بين السياسة والاقتصاد والأمن. وفي هذا الإطار، ينظر الكرد وقياداتهم باحترام إلى خيارات الإطار التنسيقي، ويؤكدون عدم التدخل فيها، لكنهم في الوقت ذاته يدركون أن إطالة أمد التردد تعني مزيدًا من الفراغ، ومزيدًا من استنزاف الدولة في لحظة لا تحتمل الإبطاء ولا الحسابات المؤجلة.
غير أن المعضلة الأعمق لا تكمن في تأخير القرارات، بل في طبيعة السياسة التي تُدار بها الدولة. فقد تحولت السياسة العراقية، في كثير من مفاصلها، من إدارة للصالح العام إلى إدارة للتنافس على الموارد والامتيازات. ومع تصاعد الفساد، وتضخم الثروات غير المبررة، وتهميش المطالب الواقعية للناس، تآكلت المعايير التي كانت تضبط الفعل السياسي، وحلّ محلها منطق الصفقة، والخطاب التعبوي، وتوظيف الدين والهوية في الصراع على السلطة. وهكذا، لم تعد السياسة أداة لتنظيم الاختلاف، بل أصبحت وسيلة لإدامته.
هذا الانحدار لم يُنتج فقط دولة ضعيفة، بل مجتمعًا منهكًا، يشعر بالخوف أكثر مما يشعر بالأمل، وبالقلق أكثر مما يشعر بالثقة. وليس هذا الخوف عراقيًا خالصًا، بل جزء من قلق عالمي واسع في لحظة تشهد انهيار الكثير من القواعد التي حكمت النظام الدولي لعقود. غير أن العراق، بحكم هشاشته البنيوية، يبدو أكثر عرضة من غيره لارتدادات هذا التحول، وأكثر حاجة إلى قراءة اللحظة بعين نقدية لا تُنكر الألم، لكنها لا تستسلم له أيضًا.
والتجربة السورية القريبة ليست بعيدة عن هذا السياق، بل تكاد تكون مرآته الأكثر قسوة. فالدولة التي فشلت في إدارة تنوعها، وانزلقت إلى صراع وجودي داخلي، انتهت إلى تدمير مجتمعها قبل أن تفقد سيادتها. وما نشهده اليوم من تشريد للكرد، وانتهاكات بحق المدنيين، وإعادة إنتاج لمنطق الإقصاء والعنف، ليس حدثًا معزولًا، بل إنذارًا مبكرًا لكل الدول الهشة، وفي مقدمتها العراق، بأن كلفة غياب الدولة الجامعة لا تُقاس بالسياسة فقط، بل بالكرامة والهوية والذاكرة الجماعية.
وفي الداخل العراقي، ما زالت جراح الإيزيديات مفتوحة، وما زالت صرخات الناجيات من سنجار شاهدة على عجز الدولة والمجتمع معًا عن حماية أضعف مكوناتهما في لحظة الانهيار. وما زالت مأساة سبايكر، بما حملته من قتل على الهوية، علامة سوداء في الذاكرة الوطنية، لا يمكن تجاوزها بالخطاب ولا بطقوس النسيان، بل فقط بالعدالة والمساءلة وبناء دولة لا تسمح بتكرارها. فهذه المآسي ليست أحداثًا عابرة في تاريخ العنف العراقي، بل شواهد على خلل بنيوي في فكرة الدولة نفسها.
من هنا، يصبح الإصلاح ليس خيارًا سياسيًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية. فالعقل الذي وهبه الله للإنسان لم يُمنح لتبرير الفشل، بل لمراجعته وتصحيحه. ولا مخرج لأزمات العراق المركبة إلا بالعودة إلى الأسس التي قامت عليها فكرة الدولة الحديثة: قبول الآخر، احترام التنوع، الاحتكام للدستور، سيادة القانون، وتجفيف منابع التضليل والتهميش والإقصاء. فالدستور، مهما اختلفنا حول نصوصه، يبقى الإطار الجامع الوحيد القادر على إنتاج تسوية عادلة ومستقرة، شرط أن يُطبّق بوصفه عقدًا اجتماعيًا لا ورقة تفاوضية.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الملحّة إلى إعادة بناء الثقة بين المكونات العراقية، لا عبر شعارات الوحدة الشكلية، بل من خلال مشروع وطني يعيد تعريف الشراكة بوصفها التزامًا دائمًا لا صفقة ظرفية. فالوحدة الشيعية–الكردية–السنية لم تعد شعارًا سياسيًا فقط، بل شرطًا لبقاء الدولة نفسها، لأن أي اختلال في هذا التوازن يعيد فتح أبواب الانقسام، ويُضعف قدرة العراق على مواجهة بيئته الإقليمية المعقدة.
ضمن هذا الإطار، تكتسب مواقف الرئيس مسعود بارزاني الأخيرة دلالة تتجاوز سياقها الكردي المباشر. فدعواته إلى الحوار، وإلى تغليب منطق الدولة على منطق الغلبة، وإلى إعادة الاعتبار للتعايش والسلم الأهلي، لا تصدر عن خطاب عاطفي، بل عن خبرة سياسية طويلة في فهم مآلات الانقسام واستشعار لحظات الانهيار قبل وقوعها. كما أن لقاءه مع بابا الفاتيكان، وما حمله من رسائل حول المصالحة والعيش المشترك، يعكس إدراكًا بأن أزمات السياسة لا تُحل بالأدوات السياسية وحدها، بل تحتاج إلى ترميم أخلاقي وثقافي يعيد للإنسان مكانته في قلب الدولة.
لهذا، فإن الحديث عن المتغيرات الجيوسياسية لا يكتمل دون ربطه مباشرة بإصلاح الداخل، لأن الدولة التي لا تعالج فسادها، ولا تعيد بناء مؤسساتها، ولا تستعيد ثقة مجتمعها، لا تستطيع أن تحمي سيادتها، ولا أن تصوغ علاقاتها الخارجية على أساس متوازن، ولا أن تتحول من ساحة صراع إلى فاعل إقليمي مستقل. فالقوة في السياسة الدولية لا تُقاس فقط بالتحالفات، بل بمتانة الداخل، وبقدرة الدولة على تمثيل مجتمعها تمثيلًا حقيقيًا لا شكليًا.
إن عراق 2026 يقف أمام لحظة اختبار تاريخية: إما أن يستثمر التحولات الإقليمية والدولية لإعادة تصحيح مسار دولته، وبناء عقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة والعدالة والمؤسسات، أو أن يستمر في إدارة أزماته بمنطق التسويف والترقيع، حتى تتحول الأزمات المتراكمة إلى انفجار لا يُعرف شكله ولا مداه. فالدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء، حين تفشل في الإصلاح، وتؤجل المصارحة، وتستهين بالإنذارات المبكرة.
وفي النهاية، لا يمكن لعراق المستقبل أن يُبنى بالخوف، ولا بالإنكار، ولا بالاصطفافات الضيقة، بل بالعقل، وبالاعتراف، وبالشجاعة السياسية والأخلاقية في آن واحد. فإعادة بناء الدولة لا تعني القطيعة مع العالم، بل تعني إعادة صياغة العلاقات الخارجية على أساس السيادة المتوازنة لا الارتهان، والشراكة لا التبعية، والمصلحة الوطنية لا صفقات اللحظة. وهي قبل ذلك كله تعني إعادة الإنسان العراقي إلى مركز السياسة، لا بوصفه رقمًا في الانتخابات، ولا وقودًا في الصراعات، بل مواطنًا كامل الحقوق، كامل الكرامة، كامل الانتماء.























التعليقات