في الأسابيع الأخيرة، لم تعد التصريحات الأميركية والإسرائيلية مجرد رسائل سياسية تقليدية، بل تحوّلت إلى لغة مشحونة بالإيحاءات والتهديدات المبطّنة، وفي هذا المناخ المشبع بالتلميحات الثقيلة، تبدو وكأن رياحاً عاتية تتكوّن في الأفق، تتجه بثقلها نحو طهران، لا بوصفها توقعاً إعلامياً، بل كمسار استراتيجي آخذ في التشكل.

لم تعد إيران تواجه مجرد ضغوط سياسية أو تحذيرات دبلوماسية قابلة للاحتواء، بل دخلت عملياً مرحلة الاستهداف المنهجي، حيث تتقاطع الأساطيل في البحر مع القوائم في الظل، وتتحول القوة العسكرية والاغتيال الاستخباراتي إلى وجهين لاستراتيجية واحدة، إعادة رسم حدود الحركة بالقوة، لا بالتفاوض.

من الواضح أن ما يجري يتجاوز حدود الاستعراض العسكري التقليدي، فإعادة توجيه حاملة طائرات ثقيلة، مصحوبة بمدمرات وصواريخ كروز وطائرات مقاتلة، ليست رسالة طمأنة للحلفاء بقدر ما هي إعلان جاهزية لفرض الإرادة عند الحاجة، ومع ذلك، فإن الخطاب الصادر عن البيت الأبيض، وعلى لسان الرئيس الأميركي نفسه، يكشف عن معادلة أكثر تعقيداً من مجرد الإعداد لحرب قريبة. الرئيس ترامب يتحدث عن أسطول ضخم وقوة عسكرية هائلة، ثم يعود ليؤكد في الجملة نفسها تقريباً أنه "يفضل ألا يحدث شيء". هذا التناقض ليس ارتباكاً، بل صياغة محسوبة لمعادلة ردع تقوم على إفهام الخصم أن خيار القوة جاهز، وأن تجاهل الرسائل لن يقود إلى جولة تفاوض جديدة، بل إلى مرحلة مختلفة كلياً من إدارة الصراع.

من ناحية اخرى، تبدو الضربات النوعية التي طالت سابقا بنية القيادة الإيرانية في الحرب مع دولة إسرائيل، أشد وقعاً من صوت المحركات النفاثة في عرض البحر. فخلال فترة قصيرة، تلقّت هذه البنية ضربات متلاحقة أطاحت بالقائد العام للحرس الثوري، ورئيس هيئة الأركان، وقائد مقر "خاتم الأنبياء"، وقائد القوة الجوفضائية المسؤول عن الصواريخ والطائرات المسيّرة، إضافة إلى ضباط استخبارات ودفاع جوي وباسيج، وعدد من العلماء النوويين الذين يشكلون العمود الفقري للبرنامجين النووي والصاروخي. لم يعد الأمر مقتصراً على توجيه إنذارات، بل تحول إلى تفريغ متدرّج لغرفة القيادة نفسها.

في هذا السياق، لم تعد قوائم الاغتيال مجرد تفصيل عملياتي، بل تحوّلت إلى أداة استراتيجية قائمة بذاتها. فالقائمة التي جرى تداولها عن نحو ثلاثين قيادياً سقطوا خلال الضربات الأخيرة ليست سوى الطبقة الظاهرة من مشهد أعمق، يؤكده اختراق واسع لبنية النظام الأمنية والعسكرية، وانكشاف طبقة القرار أمام خصوم انتقلوا من الرصد إلى التنفيذ الانتقائي. وإلى جانبها، برز رقم "الخمسين" مرشحا للمسح، في بعض التقارير لا بوصفه حصيلة اغتيالات، بل كوثيقة استخبارية داخلية أو خريطة أهداف موسّعة تضم قيادات ومواقع وبُنى تشغيلية مرتبطة بالقدرات العسكرية الإيرانية.

الدلالة هنا لا تكمن في الفرق العددي بين ثلاثين أو خمسين، بل في الرسالة السياسية–الأمنية التي يحملها هذا المنطق، ان سقف الاستهداف لم يعد محصوراً بدائرة محددة، بل بات مفتوحاً على كامل هرم القوة، من الصفوف الميدانية إلى قمة البنية السياسية–الأمنية، من دون استثناءات مضمونة، ولا خطوط حمراء ثابتة، ولا حصانة حتى لـ"الرأس الأكبر" متى تقرر الانتقال من سياسة التفكيك التدريجي إلى منطق الحسم.

وهنا يبرز العامل الإسرائيلي بوصفه أحد أعمدة هذه المعركة غير المعلنة، فدولة إسرائيل تمتلك خبرة طويلة في تفكيك الشبكات السرية، واختراق الدوائر المغلقة، وتعقّب القيادات الحساسة داخل النظام الإيراني، فهذا الرصيد التراكمي من العمليات يعزز فكرة أن الحديث عن القوائم الخاصة بالقادة الأكثر حظا للاغتيال ليس مجرد حرب نفسية، بل جزء من عقيدة استهداف تعتبر القيادة نفسها هدفاً مشروعاً في الصراع، لا ورقة تفاوض مؤجلة.

عندما نربط بين هذا المسار وبين الحشد الأميركي في البحر والجو، تتضح ملامح استراتيجية مزدوجة، فمن جهة، تفكيك منهجي للعقل القيادي الإيراني، ومن جهة أخرى، تطويق إقليمي بقوة نارية كافية لتحييد الأذرع قبل أن تتحرك. فالرسالة لم تعد موجهة إلى طهران وحدها، بل إلى شبكتها الممتدة من العراق إلى ولبنان واليمن، بأن زمن العمل تحت هامش الإنكار والغموض انتهى، وبنك الأهداف لم يعد افتراضاً بل واقعاً جاهزاً للتفعي، في حين أن إيران، في المقابل، تواصل رفع سقف الخطاب المستهلك عن سحق العدوان وتحويل القواعد الأميركية إلى أهداف. غير أن ما يسمى بـ "الردع الإيراني" بات أقرب إلى بضاعة رديئة وسردية سياسية للاستهلاك الداخلي منه إلى معادلة ردع فعلية، في ظل اختراقات تضرب قلب المنظومة القيادية واحدة تلو الأخرى، وتكشف أن الحصانة المعلنة كانت أضعف من أن تصمد أمام اختبار القوة الحقيقي.

وفي هذه المنطقة الرمادية بين الردع والتنفيذ، لا تكمن الرسالة الحقيقية في عدد السفن ولا في طول القوائم، بل في ما هو أعمق، حيث أن ميزان القوة في الإقليم لم يعد قابلاً للتحدي المتدرّج أو للمناورة الرمزية. من يخطئ في قراءة هذه اللحظة، أو يراهن على هامش مناورة لم يعد موجوداً، لن يواجه جولة تفاوض جديدة، بل واقعاً استراتيجياً يُفرض عليه بالقوة. هذه ليست مرحلة استعراض، بل مرحلة ترسيم حدود النفوذ بالقسوة والشدة اللازمة، ليس في طهران وحدها، بل في كل عاصمة تعتقد أن الجغرافيا تمنحها حصانة، أو أن الفوضى تسمح بإعادة كتابة قواعد اللعبة، الرسالة واضحة لمن يريد أن يفهم ويعقل، النظام الإقليمي يُعاد ضبطه، ومن يرفض الاعتراف بذلك، سيتعلمه بالطريقة الأصعب.