قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا شيء من دون ثمن، هذه القاعدة لم يفهمها إلى اليوم كلٌّ من حكام طهران وأنقرة، فإذا كانت الأولى تسعى إلى تحقيق أوهام عصابة الملالي بالسيطرة على الإقليم، وتتوهم أنها عبر البرنامج النووي تستطيع ابتزاز العالم، فإنَّ الثانية التي استفاقت لدى قيادتها شهوة العودة إلى السلطنة العثمانية، واستعادة تجربة سليمان القانوني، فإنما تتَّبع هي الأخرى سراباً سيودي بها إلى ما انتهت إليه سلطنة بني عثمان.
هذا السلوكُ السياسيُّ أدى بالدولتين إلى الغرق في أزمات اقتصادية ومالية ومعيشية خانقة، والدلالة على ذلك التدهور الكبير في أسعار صرف العملة المحلية لكل منها، فالتومان الإيراني بلغ سعر صرفه مقابل الدولار الواحد نحو 217 ألف تومان، وتلك نتيجة طبيعية لسياسات طهران العبثية التي استجلبت الحصار الخانق عليها ورغم ذلك لاتزال تتحدى المجتمع الدولي بتدخلاتها في لبنان وسورية واليمن والعراق، وخروجها على الأمم المتحدة.
لا شك أن قادة إيران لم ولن يتعلموا من تجارب الآخرين، خصوصاً في ما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل التي بدأنا نسمع عن تفجير المنشآت الخاصة بها في نطنز وغيره من منشآت خارجة على قرارات المجتمع الدولي.
وفي هذا المجال نُذكِّر بما حدث في العام 1981 في العراق حين شنت الطائرات الإسرائيلية، وبمباركة دولية، غارات على المفاعل النووي الذي كان قيد الإنشاء، لأن امتلاك أسلحة دمار شامل ممنوع على قادة مجانين من فصيلة صدام حسين، والأمر ينطبق أيضاً على كوريا الشمالية، التي تحاول منذ 30 عاماً زعزعة الاستقرار العالمي عبر ترسانتها وصواريخها النووية التي لم تُفدها بشيء في تخفيف أزمتها الاقتصادية، والاعتراف بها كدولة طبيعية، فلو كان التوسع والتهديد ينفعان لكانت الأمور استتبت لهتلر وتحوَّلت النازية إلى مشروع حكم عالمي، ولم ينتحر هو وكلبه وعشيقته في أحد سراديب برلين عام 1945.
يبدو جلياً أن الأمر لا يختلف كثيراً مع تركيا المحكومة “إخوانياً” من خلال واجهتها “حزب العدالة والتنمية”، إذ بعدما تخلت عن سياسة “صفر مشكلات” في المحيط والعالم، وحركة اقتصادية نشطة دوليا، واحتياطي مالي كبير، ونشاط سياحي لم يسبق أن شهدته طوال عقود، خسرت اليوم كل ذلك وباتت تستجدي على أبواب الدول بسبب تدخلها في مصر وسورية والعراق وقبرص واليونان، وحالياً في ليبيا، إضافة إلى وضعها السياسي الداخلي المأزوم والارتفاع المهول بعدد المعتقلين السياسيين بحجة تأييد الانقلاب- المسرحية، وتهديدها دول الاتحاد الأوروبي بإغراقها بالمهاجرين غير الشرعيين، معتمدة سياسة ابتزاز وقحة.
كل هذا جعل تركيا تغرق في أزمة معيشية تكشَّفت عن تدهور في سعر صرف الليرة من ليرة ونصف الليرة إلى سبع ليرات مقابل الدولار الأميركي، ما دفع الحزب الأردوغاني إلى تأسيس ميليشيات قمع بعنوان “حرس الليل” لحماية النظام المتآكل نتيجة الغضبة الشعبية، وبفعل السياسة الانتحارية.
ثمة ثابتة تاريخية لا يُمكن في العصر الحديث التغاضي عنها، وهي أن الدول الاستعمارية مآلها دائماً العزلة والانهيار ما يؤدي إلى تفشي الفقر فيها، والوقوع فريسة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي لعقود، ولذلك يبدو أن حكام تركيا وإيران ينطحون الصخر مُتوهِّمين قدرتهم على تكسيره، فيما هم يكسرون رؤوسهم ويهدمون دولتيهما.