قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في أوائل القرن الميلادي الماضي وتحت الحكم البريطاني للهند، تصاعد قلق الإدارة المحلية البريطانية من زيادة أعداد ثعابين الكوبرا السامة في مدينة دلهي، فتقرر لدى الحكومة البريطانية ضرورة محاربة ثعابين الكوبرا بالقضاء عليها بالاستعانة بسكان المدينة، فأعلنت الحكومة عن رصد مكافأة لكل من يقتل ثعبانا، كانت النتيجة عكس ما كان متوقعا، فقد ازدادت أعداد الثعابين، فتوقفت الحكومة عن إعطاء المكافآت فوجدت نفسها في مشكلة أكبر من التي أرادت حلها.

عندما رصدت الحكومة البريطانية مكافأة لقتل الثعابين، نشط أهل المدينة في تعقب الثعابين لقتلها والحصول على المكافأة، ولو استمر الأمر على هذا المنوال لقضي على الثعابين في المدينة، إنما مع استمرار دفع المكافأة تكونت مجموعات تربي الثعابين وتحصِّل المكافأة حتى فطنت الحكومة لهذه الحيلة فأوقفت المكافأة فأطلق المتاجرون الثعابين حتى امتلأت بها الطرقات بعد أن فقدت قيمتها، تكرر هذا النموذج في حالات أخرى حتى عرفت الظاهرة اليوم بتأثير الكوبرا.

ما تفيده هذه الظاهرة أن ما يبدو بدهيا أول الأمر ليس كذلك إطلاقا أغلب الأحيان، بل إن ما يجمع قصص الفشل في معالجة القضايا العامة هو الارتكان إلى الانطباعات الأولية وتبسيط الأمور، لمعالجة ظاهرة الازدحام في عاصمة المكسيك، سنت الحكومة نظاما لجدولة استخدام السيارات في الطرقات العامة بحيث لا يحق لسكان المدينة قيادة مركباتهم الخاصة أكثر من ثلاث مرات متتالية في الأسبوع، كانت نتيجة هذا الإجراء زيادة السيارات الرديئة في المدينة، فبدل أن يتفاعل سكان المدينة مع الهدف من الإجراء، وهو معالجة ظاهرة الزحام، لجأ سكان المدينة إلى شراء سيارات مستعملة ورخيصة لاستخدام سيارتين بدلا من واحدة.

إن الارتكان إلى الانطباع الساذج هو ما يفرق بين المبتدئ والخبير، والفرق الذي يفصل بينهما هو التجربة، والعالم يخوض اليوم صراعا صعبا مع الجائحة، سنجد من يعتقد أن اكتشاف علاج لمرضى الفيروس لا يتطلب أكثر من اختبارات يسيرة تجرى على متطوعين بعدد أصابع اليد، ورغم أن صناعة اللقاح من حيث هي صناعة قديمة ومجربة تجريبا طويلا، إلا أن المدة التي يتطلبها صناعة لقاح جديد ما زالت طويلة، وذلك لما تعلمه المجربون عبر السنين من دروس النجاح والفشل التي مروا بها.

إن ما يوحيه لنا الانطباع الأول، الذي ينطلي علينا بتصديقه دون تجربة، غالبا ما يكون خاطئا، تستوي في ذلك كل القرارات التي نتخذها دون أن نقيس علامات النجاح أو الفشل، ونختبر صحة الانطباع الذي ننطلق منه. من أجل ذلك تفشل أغلب المشروعات التجارية في المدى القصير، وإن نجحت فلا يستمر نجاحها طويلا، وإن اختلفت الأسباب، تظل التصورات الخاطئة عن نتائج القرارات دون تمحيص وراء الحلول التي ترتد بأنواع المشكلات، والأمر كما قال المتنبي: وما الخيل إلا كالصديق قليلة / وإن كثرت في عين من لا يجربُ.

مواضيع قد تهمك :