إنه فرق كبير بين مَن يجعل مناسبة «فرحة الزَّهراء» سرور ابنة النَّبي السّيدة فاطمة(ت11هجرية) بمقتل الخليفة عمر بن الخطاب (23هجرية)، وما يسببه هذا للحاضر مِن كراهيات، وبالتَّالي حروب والأساس هو الجهل والخرافة، وبين مَن يجعل ذلك اليوم، لمعنى السّلم والتَّعايش والفرح، لا التباغض والحقد وإثارة النعرات الطَّائفية، والأخير هو المرجع محمد حسين كاشف الغطاء(ت1953).
يقول في سبب وجود مناسبة حُرفت في العهد الصَّفوي(1501-1723)، للإساءة للخليفة الثَّاني: «يحتمل أن يكون سبب فرحة الزَّهراء عليها السَّلام [s1]، هو أن اليوم التَّاسع من ربيع الأول، هو يوم اقتران أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الكائنات بوالدتها، البرّة الطَّاهرة، خديجة الكبرى، ولا شك أن الزَّهراء كان تُظهر الفرح والسُّرور بذلك اليوم، افتخاراً بذلك الشَّرف العظيم والخير العميم»(كاشف الغطاء، جنة المأوى).
أما في ما نسبوا إلى الزَّهراء مِن قصة ضربها وأضافوا كسر ضلعها وإسقاط جنينها، بعد وفاة أبيها مباشرة، فيقول كاشف الغطاء: «لكن قضية ضرب الزَّهراء واللطم، مما لا يكاد يقبله وجداني، ويتقبله عقلي، ويقتنع به مشاعري»(المصدر نفسه). بينما تتبنى قناة طائفية، همها بث الكراهية، نقد كاشف الغطاء والإساءة له، لأنه أراد قطع الأرزاق التي يستثمر أصحابها عادة المحن والفتن وتجهيل النَّاس. بالفعل استطاع كاشف الغطاء بتر احتفال البغض، الذي كان يُقام مِن قبل الغوغاء، ومن يُحركهم ويديرهم.
غير أن ما أراد به المرجع كاشف الغطاء في كتابه «جنة المأوى» و«محاورة السَّفيرين»، وفي خطبه وممارساته وفقهه، تعرض مؤخراً لهجوم مِن فضائيات همها الفتنة والاختلاف إلى حد الحرب بين الطوائف، ومِن فضائية اتخذت لقب السَّيدة فاطمة «الزَّهراء»، اسماً لها «الزهرائيون»، وهي من الفضائيات المغالية في الانتقاد لكلِّ مَن يخالفها مِن فقهاء المذهب الإمامي.
لم تترك هذه الفضائية مرجعاً، مِن مرجعية النَّجف، له رأي ضد التي يعتبرونها أكاذيب، وتحاول التنبيه، ومن حلقاتها ما قدمته ضد المرجع كاشف الغطاء، على أن ما اعتبره مِن رواية الإساءة لفاطمة الزَّهراء أنه خارج العقل والتَّصور، فالمرأة آنذاك، ومِن عهد الجاهلية لا يُعتدى عليها، وقد نقل الكلام عن علي بن أبي طالب(40هجرية)، فكيف يعتدى وبهذا الشِّكل على ابنة النَّبي وبحضور بعلها ابن عمّ النبي، وكيف ارتضى ذلك، ولم يُدافع عنها، وهو المشهور بالشِّجاعة؟! ثم أصبحت صلته بعمر بن الخطاب لا تشوبها شائبة، يُعود إليه بالمشورة، ألم ينقل السُّنة والشِّيعة، ونأخذها مِن حنبلي وإمامي: «كان عمر يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن»(ابن قيم، أعلام الموقعين، والأميني، كتاب الغدير). فكيف تنشأ هذه العلاقة ويكون عمر قد أهان فاطمة زوجة عليٍّ وابنة النَّبي؟!
رفعت هذه القناة شعار «لبيكِ يا فاطمة»، وتعرضت لكلّ مرجع حاول أن يعيد العقل إلى جادته، في هذا الموضوع بالذات، وقد جاء في تقديم البرنامج مِن قِبل المُقدم المتحمس: «مازال حديثي في أجواء ظلامة بنت رسول الله صلّى الله عليه وآله بين علمائنا ومراجعنا ومُفكّرينا ومُفسّرينا وخُطبائنا في المؤسسة الدينية الشيعية الرَّسمية».
كان أبرزهم كاشف الغطاء، وبعده بحين طويل تصدى لها محمد حسين فضل الله(ت2010). لقد أُزيد في «الزهرائيون» بأن فاطمة عُذبت وقتلت! قال مُقدِم برنامجها: «تُخفَّف جريمة القتل البشعة بالتعذيب إلى مجرّد تهديد! وتبرئة قَتَلَة الزَّهراء إلى أقصى حدّ يُمكنهم أن يقوموا بهِ مِن التبرئة والدِّفاع عنهم مِن قِبَل مراجعنا وعلمائنا»(موقع «زهرائيون»)! فيا ليت شعري وأين شجاعة عليِّ التي يتحدث بها مُقدِم البرنامج نفسه، وقد عُذبت وقُتلت زوجته أمامه؟!
أقول: إلى أين يريد هذا الإعلام يذهب بالنَّاس؟! الذي أخذ يُشكل مزاج النَّاس ويؤثر في عقولهم، وهل هناك كارثة أكثر مِن الكراهيَّة الطائفية؟! تجرأ مقدم البرنامج على نعت المرجع العراقي محمد حسين كاشف الغطاء، ومَن أمثاله، بالجهلاء وناقصي أدب! بينما مَن يفتح فضائية البغض والجهل هو فقيه الفقهاء! إنه انتحار حضاري وإنساني عندما تُرسم الخُرافة واقعاً؟!