قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

مُثقَلٌ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين هذه الفترة بهموم ورطتهِ في سوريا والتهديدات التركية له في إدلب حيث يتربّع نظيره التركي رجب طيّب أردوغان على عرش الخيارات المتعدّدة الممتدّة أمامه من ناغورني كاراباخ الى ليبيا، وعصا إدلب في يده. مُثقلٌ بوتين لأن أدوات الضغط والمقايضة ليست متوافرة أمامه– وأردوغان يدرك ذلك ويُحسن توظيفه لتعميق الخنجر في الخاصرة الروسية ولتوسيع حلقة المغامرات والاستفزازات التركية في الجيرة المباشرة لروسيا.

التعاون العسكري بين تركيا وإسرائيل لدعم أذربيجان ضد أرمينيا في القوقاز- بما يشمل مدّهَا بالطائرات المسيّرة drones المتفوّقة– ساهم في إحراج ليس فقط الرئيس الروسي الذي لديه معاهدة أمنية مع أرمينيا في حال تعرّضها لهجوم على أراضيها. انه أيضاً موضع إحراج للرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي يحاول التملّص من هذا النزاع، لكن ضغوط حوالى 1.5 مليون ناخب أرميني تجعل تجاهله مُكلِفاً.

بوتين مطوّق بحزام من نار على حدوده بما يشمل قيرغستان وطاجيكستان ومولدوفيا وبيلاروسيا في آنٍ واحد، وهو يجد نفسه اليوم في حاجة الى ترامب ليعاونه في لجم أردوغان، لا سيّما أن أخطر أدوات إحيائه لسلطنته العثمانية هو سلاح مرتزقة التطرّف الإسلامي الذي صنعه في سوريا مع شركائه الإقليميين. وبوتين قلق جدّاً من هذا السلاح الخطير الذي سيُصيبه إذا تفشّى في الجمهوريات الإسلامية في جيرته ووصل الى الشيشان.

أسبوع فلاديمير بوتين لم يكن سارّاً، لا سيّما أن القمة الأوروبية أسفرت عن عقوبات على أفراد روس بتهمة التورّط في تسميم المعارض الكسي نافالني، وتوعّدت بالمزيد. الصراع بين أذربيجان وأرمينيا توسّع وارتفع عدد الضحايا الى الآلاف، بحسب مراقبين عن كثب للأوضاع هناك. ثم أن أذربيجان دخلت الأراضي الأرمينية، مما، رسمياً، يعطي روسيا الحق– بل لربما الاضطرار بموجب الاتفاقية الأمنية الدفاعية– بدخول المعركة الى جانب أرمينيا. وهذا بدوره يعني التورّط في قتال مباشر مع أذربيجان وحليفتها تركيا. وهذا تماماً ما لا تريده روسيا: التورّط في حرب مع تركيا أينما كان.

رجب طيّب أردوغان يطوّق نفسه بكراهية وعداء وحساسية من غروره الشخصي ومشاريعه العثمانية التوسّعية لكنه لا يأبه ولا يخشى. انه يراهن على الانقسامات الأوروبية وضعف الاتحاد الأوروبي، وليس فقط على الأيادي الروسية المقيّدة. يراهن أيضاً على التهاء الإدارة الأميركية بالانتخابات الرئاسية كما على سحرٍ أو سرّ ما في علاقاته الشخصية مع دونالد ترامب.

حسابات أردوغان الإقليمية والدولية جعلته يستنتج أن لا أحد يريد حرباً معه– لا مصر، ولا إيران، ولا أوروبا، ولا روسيا، وبالتأكيد لا الولايات المتحدة. لكن غطرسته وتوسّعه ومغامراته الإقليمية واستخدامه مرتزقة من "جبهة النصرة" ومن "القاعدة" وغيرهما من التنظيمات الإسلامية المتطرّفة قد لا تحميه– في نهاية المطاف– من المحاسبة بل ومن الانهيار. انه يحتاج هذه السياسات الخارجية والمغامرات الممتدة من سوريا الى ليبيا الى ناغورني كاراباخ للتغطية على المشكلات الاقتصادية والسياسية الداخلية. فهو مكشوف إلى درجة الخطر. إنما هناك حاجة لمن يذكّره بأن حساباته اليوم قد لا تكون صحيحة غداً.

لا جدوى من أوروبا المتردّدة، المتعثّرة، والمترنّحة على مخاوفها. المطلوب هو أن يتوقف الرئيس الأميركي لدقائق عند حدث خطير كالذي يحصل حالياً في ناغورني كاراباخ، حيث لا أُفق على حل دبلوماسي لهذه المشكلة، وحيث تبدو تركيا وأذربيجان عازمتين على حل عسكري لأن هذه هي- في رأيهما– الفرصة الأخيرة للحسم العسكري.

الإبادة الأرمنية على أيادي تركيا عام 1915 لن تفارق الأرمن أينما كانوا لأنها أسفرت عن 1.5 مليون ضحية. ناغورني كاراباخ ليست تابعة لأرمينيا، إنما نتيجة التنظيف العرقي في الثمانينات في أذربيجان، هاجر الملايين من الأرمن الى أرمينيا يطاردهم شبح الإبادة. بقيت ناغورني كاراباخ غير مُعترف بها كدولة مستقلة– باستثناء أرمينيا التي ترفض الموافقة على حكم ذاتي بدل الاستقلال لناغورني كاراباخ. اندلاع النزاع بين أذربيجان وأرمينيا مؤخراً اتخذ بُعداً جديداً بسبب تركيا، علماً أن روسيا كانت تمد الاثنتين بالدعم العسكري قبل اندلاع النزاع مجدداً.

أما إسرائيل، فإنها الدولة الثانية، بعد تركيا، التي تمد أذربيجان بالسلاح في مقابل كونها مستورداً أساسياً للنفط من أذربيجان. وبالتالي فإن تركيا وإسرائيل شريكان مباشران في دعم أذربيجان ضد أرمينيا، فيما إسرائيل تتناسى كلّيّاً مأساة الإبادة الأرمنية. ولافتٌ جداً أيضاً أن تنسّق إسرائيل عسكرياً في أذربيجان مع تركيا أردوغان الذي يستعمل مرتزقة التطرّف الإسلامي لشل قُدرات روسيا في شرق القوقاز، لا سيّما أن بوتين ساعد كثيراً رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو في تحقيق الأولويّات الإسرائيلية في سوريا، وفي مقدّمها ضمّ الجولان.

أردوغان يستعمل مرتزقته في سوريا وليبيا وشرق القوقاز وفي ذهنه إحياء مشروع "الإخوان المسلمين" الذي سبق ودعمته إدارة أوباما تحت تسمية "الإسلام المعتدل". على إدارة ترامب ألّا تقع في فخ التسميات وأن تتّخذ مواقف تتماشى مع الواقع السياسي لتضع حدّاً لمشروع أردوغان الخطير، حتى إنْ كانت لا تريد أن تمدّ يد المعونة المباشرة لروسيا في ليبيا أو في ناغورني كاراباخ أو في كامل شرق القوقاز. فالاستثمار في مشروع أردوغان يعني الاستثمار في إحياء مختلف منشقات splinters "القاعدة" و"النصرة" وغيرهما. وقد حان للرئيس ترامب أن يستيقظ الى هذا الخطر ويتخذ المواقف والإجراءات.

المطلوب من ترامب أن يضغط على الشركاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو) كي يتخذوا مواقف صارمة من تركيا التي لا تتصرّف كحليف يأخذ في الحساب مصالح الحلفاء. هذا يتطلّب الحزم والجدّية في العمل الجماعي مع حلفاء الأطلسي بدلاً من ترك الأمور على نغمة التبعثر الأوروبي. على الرئيس ترامب أن يتحدّث بلغة قاسية مع إسرائيل للاستفهام حول شراكاتها مع تركيا في تعويم التطرّف الإسلامي ولوضع حد لهذا التهوّر الذي يهدّد الأمن القومي الأميركي.

أما في ما يتعلّق بروسيا، فإن الشكوك الأميركية بالغايات الروسية، الاستراتيجية منها والتنافسية، في سوريا وليبيا والقوقاز وأوروبا، إنما هي شكوك مفهومة، ولا حاجة لأميركا أن تهرول الى إنقاذ روسيا من ورطتها في سوريا. إنما في شرق القوقاز، هناك مساحة لحديث ثنائي، أميركي- روسي، من أجل احتواء الصراع بين أذربيجان وأرمينيا لأنه ينطوي على تداعيات خطيرة بين البلدين.

ثم هناك مشروع أردوغان الذي يُقلق بوتين، ويجب أن يُقلق ترامب أيضاً. فأن يكون في ذهن أردوغان أن يجعل من تركيا الدولة التي تُحقق التوازن مع روسيا في القوقاز مسألة قد تكون منطقية في الموازين الاستراتيجية للدول. أما أن تنطوي وسائله على فرض الأمر الواقع عبر مرتزقة متطرّفين فإن ذلك يهدّد الأمن والسلم ليس فقط في القوقاز وإنما في العالم.

هذه لحظة قد تكون مفيدة لدونالد ترامب حيث تعاني روسيا من مستنقعها في سوريا، وحيث هناك حاجة روسيّة لمساعدة الولايات لها في لجم أردوغان ومشاريعه. إنها أيضاً لحظة ضرورية لترامب لإيقاف الشهيّة العسكرية لتركيا وإسرائيل وأذربيجان وللتحدّث بحزم مع أرمينيا قبل أن تتطوّر الأمور الى كارثة.