قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ما تيسر من قصص سريعة، سردتها مقتضبة في مقال الأسبوع المنصرم "حكايا السكن الجامعي"، عن تلك المنافع التي حصلت عليها بسبب تجربتي الحياتية في سكن "المدرسين" بجامعة الملك سعود بالعاصمة السعودية الرياض.

لم تتوقف العجلة هناك، كنت أذهب برفقة الأصدقاء، وتحديداً رفيق درب الدراسة مهدي الخاطر، إلى تقاطع شارع التخصصي مع طريق الملك فهد، هنالك قرب محلات "الكتاب المستعمل"، كانت مكتبة "دار الإصدارات"، التي يملكها سلمان الشبيب، والتي لم تكن مكتبة عادية، بل احتوت نفائس من الكتب القديمة والمجموعات الكاملة لمجلات ثقافية وفكرية نفيسة، كما شكلت منفذاً للحصول على العديد من الكتب الحداثية والفلسفية التي لن لا تجدها إلا لديها.

اقتناء الكتب لم يكن الهدف الوحيد من زيارة الدار، بل النشاط الأثير، كان الذهاب إلى المخزن - المكتب، الصغير الطويل، المليء بالكنوز، حيث كان مجموعة من المثقفين يأتون، يجلسون طويلاً وهو يبحثون عن العناوين الجديدة، ويتبادلون النقاشات والأفكار في موضوعات شتى، بجرأة علمية ولغة رصينة وواعية، تحترم الآخر ولا تزدريه، دون أن تبجله.

"ثقافة الخميس"، الملحق الثقافي الأثير، الذي تصدره جريدة "الرياض" منذ سنوات طويلة، ويكتب فيه نخبة من المثقفين والشعراء العرب، والذي كان يشرف عليه سابقاً الأستاذ سعد الحميدين، كان أمنية أي شاب سعودي في عمري - وقتها - أن يجد له مساحة ولو صغيرة فيه، وهذا ما تحقق لي في وقت مبكر، كوني تعرفت على الحميدين في "دار الإصدارات"، في أجواء النقاشات الأدبية والفكرية هناك، وبنيت بيننا علاقة صداقة واحترام، لا تزال قائمة.

ليس الحميدين وحده من تعرفت عليه، الكاتب علي العميم، المعروف بأسئلته الفكرية الجادة، وبحثه الدائم، ومحاولة مساءلة التاريخ حول الأحداث المتنوعة، هنالك أيضاً كنا نلتقي، ونتساجل بمحبة، والقائمة تطول..

ليس ببعيد عن المكتبة، وفي طريق الملك فهد، هنالك مقهى - لا يحضرني اسمه - يقصده مجموعة متنوعة من الشباب، يتبنون أفكارا مختلفة: سلفية، وسطية، تنويرية، ليبرالية، ومن مذاهب ومناطق عدة؛ حيث كنا نجلس ونتحاور معاً، في أجواء يسودها الود ومحاولة الفهم، والحماس الشديد نحو التغيير الفكري.

هذه النقاشات كانت مهمة في تشكيل شخصية كل واحد منا، وأسهمت في التأسيس لوعي لاحق، وكل ذلك لم يكن ليتم، لو أن واحدنا جلس في مدينته أو قريته ولم يأتِ إلى الرياض، بهدف الدراسة أو العمل.

الأسئلة الفكرية مهمة للتغيير المعرفي للأجيال، وهي المحفز نحو الخروج من نسق لآخر، وهي ما تجعلني أكثر تشبثاً بأن تكون "جامعة الملك سعود" مساحة مفتوحة لجميع الطلاب السعوديين من مختلف مناطق المملكة، لأنهم سيحظون بتجارب حياتية وثقافية نافعة، لن يتحصلوا عليها في الكليات والمعاهد المحلية، مهما كان مستواها العلمي.

تنوعنا مهم، والأهم هو امتزاج هذا التنوع، تثاقفه، تعارفه، والدخول في تجارب مشتركة، يكون أساسها الفتيات والشبان السعوديين، الذين هم رافعة الإصلاح والتطوير وقوته الدافعة.