قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الأمير هو بندر بن سلطان بن عبد العزيز؛ والرسالة هي تلك التي حدّث بها «المواطنين السعوديين» – والحقيقة كل العرب – من منصة قناة «العربية» التلفزيونية الغرّاء. كنت قد شرفت بالحديث مع الأمير مرتين: واحدة في واشنطن بمصاحبة رئيس مجلس الإدارة ورئيس تحرير «الأهرام» الأستاذ إبراهيم نافع وحضر اللقاء ساعتها الوزير – والسفير وقتها في واشنطن أيضاً - أحمد القطان. وكما هي العادة في مقابلات العرب فإن «القضية الفلسطينية» تكون ثالثتهما، وكانت المناقشة حول ما يقوم به «اللوبي» الصهيوني في واشنطن، خصوصاً منظمة «ميمري MEMRI» أو «Middle East Media Research Institute» التي كانت متخصصة في تشريح الصحافة والإعلام العربي عن كل ما يُشتمّ منه تمييز عنصري أو نظرة لإسرائيل والإسرائيليين واليهود في معظمهم ذات طبيعة «معادية للسامية». ولمّا لم يعد ممكناً أن نحتجّ بأن العرب ساميون أيضاً وكفى، أو نفنّد ما يُقال فحسب، فإن المسألة اقتضت منظمة عربية مقابلة تفرز وسائل الإعلام والكتب المدرسية الإسرائيلية واليهودية لكي نُظهر ما فيها من عنصرية وتمييز ضد العرب والفلسطينيين. انتهى الأمر بإنشاء «المنظمة العربية ضد التمييز العنصري» بتأييد ودعم من الأمير والسفير فكرياً ومادياً؛ وفي القاهرة جاء الدعم من رجال أعمال مصريين هم فيما أذكر المهندس نجيب ساويرس ومحمد أبو العينين ومعهما الإعلامي القدير عماد الدين أديب، وبالطبع مؤسسة «الأهرام» ومركز الدراسات السياسية والاستراتيجية. قصة هذه المنظمة تستحق أن تُروى وكيف بدأت واستمرت تحت القيادة الرشيدة للزميل د. عماد جاد الذي صار عضواً في مجلس النواب المصري فيما بعد.
المرة الأخرى التي قابلتُ فيها الأمير جاءت بعد شهور قليلة من الاجتماع الأول في القاهرة، وهذه المرة وهو في طريق عودته إلى الرياض بعد انتهاء خدمته الطويلة في واشنطن محملاً بأثقال العلاقات الأميركية العربية من ناحية وما بات منتظراً له في المملكة من قيادة أمنية مهمة، هي الأخرى ذات مسؤوليات ضخمة. جرى اللقاء في القاعة 518 الشهيرة في «الأهرام» وفي حضور خبراء مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية وكبار كتّاب «الأهرام». استمر اللقاء الذي أدرته لبضع ساعات. قفزت إلى الذهن عندما بدأت مشاهدته في حديث «العربية» حيث كان غنياً إلى الدرجة التي كاد ساعتها يفوتنا أنا وعدداً من الحاضرين طائرة مسافرة في واحدة من بعثات «الأهرام» الصحافية التي كان يقودها الأستاذ إبراهيم نافع. في هذه المرة كما كان في المرة السابقة جاء الحديث معبّراً عن درجة عالية من الاحتراف الدبلوماسي والسياسي التي عرفتُها بالمشاهدة من الأمير سعود الفيصل رحمه الله، وبالمحادثة مع الأمير تركي الفيصل أعطاه الله الصحة والعافية والعمر المديد.
لم يختلف الكلام كثيراً بين المرتين، وحتى في الجوهر العربي ما كان في حديث «العربية»، ولكن فارق الأزمنة التي قاربت عقدين من الزمان كان له فعله. صحيح أنه منذ المرة الأولى كانت قد حدثت النقلة الكبيرة من تعريب القضية الفلسطينية الذي حدث في حرب عام 1948 وما بعدها من دبلوماسية وسياسة؛ إلى «فلسطنة» القضية بعد أن أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني انطلاقاً من مقررات مؤتمر القمة العربي لعام 1974. أصبحت قضية فلسطين مثل كل القضايا العربية الأخرى في يد شعبها، وما على بقية العرب إلا تقديم الدعم الدبلوماسي والسياسي وبالطبع المادي لكي يحقق الفلسطينيون أهدافهم في الدولة والاستقلال كما فعلت قبلهم شعوب وأمم. لم يكن هناك ساعتها من يعرف أن السنوات سوف تمضي، والكفاح سوف يذهب، والانتفاضات سوف تكون مسلحة وكارثية، وأن الفلسطينيين المجاهدين من أجل دولة مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية سوف ينقسمون بين كيانين سياسيين، واحد في الضفة الغربية والآخر في غزة، وفوق ذلك بات الواقع الجديد يعرف تنظيمات عدة كلها تعتقد أن من حقها حمل السلاح وتحديد السياسات العليا للشعب الفلسطيني. دار الزمان دوراته وجاء «الربيع العربي» المزعوم، وظهرت الراديكالية «الإسلاموية» بأشكالها المتوحشة، ومعها تخلخلت القدرات العربية فكان الطمع الوحشي من القوى الإقليمية في إيران وتركيا ومعهما قطر، وجماعات فلسطينية حليفة.
رسالة الأمير التي أثارت اهتماماً واسعاً في وسائل الإعلام العالمية جاءت في اللحظة التي بات فيها الفشل الفلسطيني كاملاً، بلا قيادة ولا دولة ولا حتى سلطة وطنية تدير شؤون الفلسطينيين وتعض على مصالحهم بالنواجذ. لم تصل محاولات المصالحة من مصر «الشقيقة الكبرى»، كما وصفها الأمير، إلى نتيجة، كما لم تنجح محاولة السعودية لعقد صلح بين الفصائل حتى وهم يُقسمون على أستار الحرم الشريف. جرى ذلك بينما العالم يتغير والمنطقة تنقلب رأساً على عقب؛ ولا يزال الفلسطينيون يمرّون بنفس لحظات المراهقة السياسية والكلمات العنترية، والمظاهر الكاذبة، وضعف وتهافت الروح الوطنية، واختفاء البوصلة والحكمة الاستراتيجية. الأمير لم يكن غافلاً عن جوهر القضية الفلسطينية، ولكنّ رسالته للسعوديين، ولمن يسمع من العرب والفلسطينيين هي أولاً أنه ليس بطريقة الشعارات وحرق الأعلام والصور وتوزيع درجات الخيانة تؤتى موائد المصالح العربية. وثانياً أن تغيير المسار بات ضرورياً وحتمياً لأن العالم والإقليم لم يتغيرا وحدهما، وإنما الدول العربية ذاتها وقد اقتربت من لحظات الجحيم بين أعداء الداخل والخارج، وبات ضرورياً لها هي الأخرى أن تتغير من الداخل كذلك. جاءت رسالة الأمير عن القضية الفلسطينية نعم، ونقداً أيضاً لتعامل القيادة الفلسطينية معها سواء مع شعبهم أو حلفائهم أو أعدائهم أيضاً؛ ولكنها كانت معبِّرة أيضاً عن التغييرات العميقة الجارية في المملكة، إصلاحاً وتحديثاً اجتماعياً واقتصادياً للدولة الوطنية في أبعادها التاريخية والجغرافية.
وسط ذلك كله فإن تعريف المصالح الوطنية والقومية والأمن القومي لا بد له من إعادة النظر في طريقة إدارة الصراع العربي الإسرائيلي الذي هو أقدم الصراعات الإقليمية عمقاً وتعقيداً. مخاطبة الأمير للشعب السعودي بالخبرة والتجربة والوقائع والحقائق فيه ضرورة للتعامل مع حزم كبيرة من الغيّ والكذب والفُجر الإعلامي. ولكنّ الرسالة أيضاً تذهب للدول العربية في المنطقة، وفيما أظن لبقية العالم لأن المملكة التي هي موطن الوحي والأماكن المقدسة لا يُنتظر منها أن تتحرك تجاه هذه القضية لا استجابة للافتراء من أصحابها، ولا رداً على ضغوط اللحظة التي تطلب من المملكة أن تتحرك وكفى حتى ولو كان الأمر لم يستكمل بعد فيما يخص الدولة السعودية ما يكفي من شروط ضرورية لمسيرة سلام حقيقية. كان طبيعياً للمملكة أن تؤيد خطوات الأشقاء في الإمارات والبحرين وتدفع عنهم الافتراء، ولكنها بحكم موقعها وتاريخها عليها أن تنظر إلى السلام العربي الإسرائيلي من زاوية تحقق الأمن الإقليمي الذي يضع مواصفات العملية التي تحافظ على الدولة الوطنية وتأخذ بيدها بالتنمية والتحديث إلى الأمام تقدماً ورِفعة. حل القضية الفلسطينية هنا سوف يحدث ليس فقط عندما يكون الفلسطينيون مستعدين لذلك، وإنما أيضاً عندما يكون الإسرائيليون على استعداد للاستجابة للتطورات السلمية الجارية في المنطقة.