يحتدم النقاش في السويد حول فيروس كورونا ولا يكاد يمضي يوم إلا وللصحافة والإعلام دلو فيه. وما يثير الانتباه أن مسار النقاش لم يعد منصبا على تقديم أجوبة شافية حول السؤال الذي يؤرق أغلب شعوب وحكومات الدنيا وهو: ما العمل؟
أغلب النقاش - وهذا ما قد يثير تعجب ودهشة الذي يعيش خارج هذا البلد - يحوم حول إن كانت الاستراتيجية التي اتبعتها السويد صحيحة أم لا. من جانب، هناك حديث جدي حول الإخفاقات، ومن جانب آخر هناك تباه يرقى إلى مديح الذات.
أمامي الآن آخر موقف للحكومة جاء على لسان ستيفان لوفين رئيس الوزراء في حوار مع ماتس كنوتسون الصحافي الكبير يؤكد فيه خطأ الذين يشيرون - ومن ضمنهم كاتب السطور - إلى أن السويد قد بركت أمام موجة الوباء الجديدة التي أرغمتها على تغيير استراتيجيتها. "بالمناسبة ينقل الإعلام السويدي عن "الاقتصادية"، ويركز على الخطاب النقدي الذي يرد في هذا المقال".
وأمامي الآن أيضا آخر إحصائية ليوم الثلاثاء الفائت "وهو اليوم الذي أرسل فيه مقال الأسبوع لهيئة التحرير" الصادرة عن الهيئة الحكومية للصحة العامة، وفيها أرقام مخيفة عن الضحايا والإصابات، حيث وصل عدد الذين لقوا حتفهم بسبب الجائحة إلى 8167 شخصا، وعدد الإصابات إلى أكثر من 367 ألفا في بلد لا يتجاوز سكانه عشرة ملايين. وفي هذا اليوم - الثلاثاء - فقط توفي 174 شخصا بسبب الوباء، وهناك أكثر من 300 شخص آخر في حالة خطرة في العناية المركزة.
وفي الآونة الأخيرة، أصدرت الحكومة تعليمات حول التجمعات التي يجب ألا تتعدى ثمانية أشخاص، وكذلك نصحت بارتداء الكمامات في وسائط النقل العامة. مع كل هذا طلع علينا لوفين رئيس الوزراء بالقول: إنه ليس هناك تغيير في الاستراتيجية لأن التعليمات التي تصدرها الحكومة غير ملزمة، أي: لم ينزل، ربما حسب ما يعتقد، بعد الجند في الشوارع لفرضها.
صحيح، أن الشعب السويدي له من الخصال الحميدة ما قد يجعله مختلفا عن الشعوب الأخرى، وفي مقدمتها تأتي الثقة شبه المطلقة بالحكومة ومؤسساتها إلى درجة أن نصيحة أو إرشادا منها يراه الناس ملزم التطبيق رغم عدم إدراجه ضمن قانون أو قرار يتطلب تطبيقه النشر في الصحيفة الرسمية.
فنحن في الجامعة مثلا، نعقد اجتماعات لتنفيذ نصائح الحكومة والجهات الصحية الرسمية حتى إن كان مصدرها التلفاز والإعلام، بمعنى لم ترد إلينا بصورة رسمية من الجهات العليا التي نتبع لها. وهكذا ألغينا الامتحانات والمحاضرات كافة التي كنا قد أعددناها للصفوف التي لا يزيد عدد طلبتها على 50.
كنا في بداية العام قد أعددنا أنفسنا على الوجود الصفي شريطة عدم تجاوز عدد الحاضرين 50 شخصا، لكن وجدنا أنفسنا مجبرين على إلغاء الوجود في الصفوف برمتها عندما نصحت الحكومة الناس بأن من الأفضل ألا يزيد عدد التجمهر على ثمانية أشخاص.
ومن ثم من له الجرأة والجائحة تضرب يمينا ويسارا وشمالا وجنوبا على طول البلد وعرضه أن يحاضر في صف مليء بالطلبة والحكومة قد نصحت بعكس ذلك، رغم أن الالتزام بالنصح، حسب قول الحكومة، خيار وليس إجبارا.
الحكومة السويدية اتبعت نهجا في ظني كان ولا يزال متذبذبا لا يسمو إلى الرقي العلمي والتكنولوجي والثقافي والإنساني الذي يضع البلد في المصاف الأرقى في العالم، بمعنى آخر لم تكن هناك استراتيجية ولا هم يحزنون. في ظني، كان هناك عناد للبرهنة للعالم أن السويد ليست مثل باقي الدول، وأن حكومتها ليست مثل باقي الحكومات التي تهتز أمام فيروس يصيب الناس بالإنفلونزا - ألم يكن الموقف يشبه مثلا هذا، عندما كان أندش تيكنيل عالم أو مستشار الدولة لشؤون الأوبئة ينصح السويديين بالتمتع بأشعة الشمس في الربيع الفائت من هذا العام، وكان الوباء يفتك بالناس ويعيث بدور المسنين، الشريحة التي قدمت أكثر التضحيات لفشل الحكومة في حمايتها؟
وحتى كارل جوستاف، ملك السويد الذي لم أقرأ أو أسمع له رأيا في السياسة منذ وجودي في هذا البلد لعقدين ونيف العقد، خرج عن صمته وانتقد الحكومة لأنها أخفقت في مواجهة الجائحة.
نسبة الوفيات في السويد هي عشرة أضعاف مثيلاتها في النرويج وفنلندا ونحو خمسة أضعاف مثيلاتها في الدنمارك.
بيد أن الخطاب الرسمي لا يزال يجتر الأزمة ذاتها، ومفادها بأن نسبة الوفيات في السويد أقل من تلك التي وقعت في الدول الأوروبية الأخرى، مثل بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا التي طبقت إجراءات غلق قاسية، بينما السويد لم تلجأ إلى ذلك حتى الآن.
ويبدو أن كثيرا من السويديين يحبذون الوضع رغم ارتفاع أعداد الضحايا والمصابين، حيث لا يزال نحو 60 في المائة منهم، وفق آخر إحصاء، يضع الثقة بتيكنيل، مهندس استراتيجية التعامل "بلطف" مع الجائحة، والواقف سدا منيعا، حتى الآن، في تطبيق إجراءات قسرية مثل باقي الدول.
وفي آخر مقابلة صحافية له قال: إن من السابق لأوانه الجزم بأن سياسة السويد - التي هو مهندسها - في مواجهة الجائحة قد أخفقت. وأتاه مدد قبل يومين من سلفه، يوهان جيسيكي، مستشار الدولة السابق لشؤون الأوبئة، الذي أكد في مقابلة صحافية أن الحكومة قدمت نموذجا ناجحا يغنيها عن تطبيق النماذج الأخرى التي فرضت الإغلاق وإجراءات قسرية أخرى لا حاجة إليها في السويد.

مواضيع قد تهمك :