قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ننزعج، نشمئز، نغضب، نصرخ.. لا يهم، فالشاشات قررت ألا ترى ولا تسمع، هي فقط تتكلم وعلينا نحن أن نرى ونسمع.
كل من شاهد برنامج وفاء الكيلاني «السيرة» اعترض على تعمدها اللعب على أوجاع ضيوفها، كي تحصل منهم على دمعة يذرفونها بصدق وحرقة أمام الشاشة، فتحقق «الترند» المنشود، خصوصاً أنها لم تكتف بسؤال الضيف عن الأحياء من أهل بيته، بل تتعمد سؤاله عن أمواته، وقد استفزنا جداً أن تسأل الفنان والنقيب هاني شاكر عن مشاعره لحظة وفاة ابنته. لكن يبدو أن هذا الاعتراض يعتبره البعض «نجاحاً في إثارة الرأي العام والمزيد من الشهرة»، لذا تعمد المذيع تمام بليق استنساخ وفاء وأسئلتها، في برنامجه «مع تمام» على قناة «الجديد» اللبنانية.
معروف عن بليق أنه مستفز، لا يستفز الضيف فقط بل الجمهور أيضاً، لكن أن يصل به الأمر إلى إحضار دمية للفنان علاء زلزلي والطلب منه أن يتحدث إليها باعتبارها طفلته المتوفاة المغطاة بوشاح أبيض، فهذا موقف ومشهد يستحق أن تحاسب عليه القناة قبل بليق، لأنها سمحت باستغلال وفاة طفلة لتحقيق مزيد من الدعاية للبرنامج، وسمحت للمذيع بالاستخفاف بالمشاعر الإنسانية والانحطاط إلى هذا المستوى الذي لا يمتّ إلى الإعلام بصلة لا مضموناً ولا شكلاً.
سأل بليق ضيفه: «بماذا شعرت وأنت تدفن ابنتك تحت الرمل؟» ثم صحح السؤال وأعاد صياغته: «بماذا فكرت وشعرت وأنت تدفن ابنتك تحت التراب؟» قبل أن يطلب منه أن ينظر إلى الدمية بين يديه ويتحدث باعتبارها طفلته الراحلة! هل هذا إعلام؟ وهل هذا مقبول إنسانياً؟ ما الهدف الحقيقي من هذه النوعية من المتاجرة بمآسي النجوم؟ وهل يستبيحون كل شيء في سبيل اللهاث خلف الشهرة و«الترند»؟ حتى «الشهرة» و«الترند» لهما وجها السلبية والإيجابية، فإما أن يتحدث عنك الناس خيراً ويرفعوك إلى الأعلى، وإما أن يتحدثوا عنك وينعتوك بأسوأ الألفاظ، فتنال الشهرة إنما بشكل معكوس.
دعوا الأموات يرقدون بسلام ودعوا الأحياء يضمدون جراحهم ويتحملون مآسيهم في سلام. وصلنا إلى مرحلة «التجارة الإعلامية» حيث اللاإنسانية واللامهنية. من سمح لمن ينتحلون صفة الإعلاميين أن «يرخصوا» المهنة ويجعلوا من الشاشات أسواقاً تباع فيها الكرامات والأخلاق والضمائر لقاء حفنة من «الفلورز» أو المتابعين؟ من سمح لهم بتحويل الشاشة إلى سوق تباع فيه المهنة وأصولها ومبادئها ليقفز فوق الأكتاف من «يتمحكون» بالإعلام وعينهم على الشهرة بأي ثمن؟