ما بين طرح فكرة إطلاق مسبار إماراتي نحو الفضاء إلى الحديث عن بداية المهمة الأولى لهذا المسبار مدة لا تتجاوز سبعة أعوام، حيث تم تأسيس مركز الإمارات للفضاء عام 2014.

نعم، هي سبعة أعوام بالتحديد. لك أن تتخيل الفترة الزمنية وتطرح على نفسك ما تريد من الأسئلة، وأبرزها كيف حصل ذلك في دولة عربية؟

لكي أختصر عليك جهد البحث عن إجابة، يكفي أن تدرك أن الحدث الذي نتكلم عنه حصل في دولة الإمارات العربية المتحدة حيث القيادة التي تؤمن بأمور ربما لا يدركها الآخرون وهي: إن امتلك الإنسان الإرادة فإن كلمة المستحيل تكون شبه معدومة. وهذه قاعدة راسخة في “الإرث السياسي” الإماراتي منذ البدايات الأولى لقيام الدولة الاتحادية، فقصص التحدي للوصول إلى النجاح عديدة، بعضها يكاد يقترب من الخيال أو لا تراه إلا في الأحلام. ومن ذلك ما تابعناه من غزو للفضاء، وقبلها فكرة الدولة الاتحادية التي هي الأخرى أنموذج تنموي.

بهذه الخطوة الإماراتية الجريئة يسجل العرب وجودهم ضمن رواد الفضاء، كما أصبح لديهم مشروع قومي يتحدث باسم كل العرب

وعادة ما ترتبط مبادرات الإمارات ومشاريعها الكبرى ببعدين: البعد الأول إنساني دولي، والبعد الثاني عربي قومي. وربما السبب في هذه السمة الرغبة في تحفيز الإنسانية في أي مكان في العالم على العمل من أجل استمرارية الحياة والابتعاد قدر الإمكان عن افتعال الأزمات والصراعات، وبشكل خاص في منطقة الشرق الأوسط.

أما عربيا، كي ينتقل الإنسان العربي من الاكتفاء بعمليات الرصد ومتابعة ما تصنعه الأمم الأخرى، ليكون مشاركا في صناعة المستقبل بدلا من انتظاره ليأتي إليه، وغالبا بتأثيرات سلبية.

لهذا، فإن مشروع المسبار حتى وإن كان يسجل بوصفه إنجازا إماراتيا إلا أنه يمثل “أمل كل العرب” لشحذ هممهم وتحدي الصعاب والنهوض بدولهم، ولهذا لمسنا تفاعل العديد من العرب مع الحدث.

بصورة عامة وبالمنطق أيضا، فإن المسألة ظاهرة صحية على المستوى الدولي من حيث التفاعل الإنساني، وأيضا هي تُدخل العرب في دائرة صناعة المعرفة. وهي محفز للتأمل في طبيعة العلوم والتخصصات التي تطرح في العالم العربي وإصلاحها لتتواكب مع العلوم الحقيقية. كما أنها نقلة إعلامية لإجبار الأمم الأخرى على متابعة ما يحدث في منطقتنا من تطورات بعيدا عن الإرهاب والحروب التي تكاد تقتصر على هذه المنطقة من العالم.

وفي البعد الوطني الإماراتي سيضع الحدث الإمارات ضمن عدد قليل من الدول التي استطاعت أن تحقق مثل هذا الإنجاز العلمي، إلى جانب كل من الولايات المتحدة، والاتحاد السوفييتي السابق، والهند، والاتحاد الأوروبي والصين. لتكون ضمن المنافسين على السباق في اكتشاف الفضاء.

وصول مسبار الأمل إلى الكوكب الأحمر ليس الإنجاز الإماراتي الوحيد في هذا المجال بالغ التعقيد، وليس نهاية المطاف لطموحات قادة هذه الدولة، وإنما مرحلة من مراحل النهضة الإماراتية.

سجلّ دولة الإمارات في التخطيط لاكتشاف الفضاء يعود إلى العام 2006 عندما تم تأسيس مؤسسة الإمارات للعلوم والتقنية الحديثة بالتعاون مع البرنامج الفضائي في كوريا الجنوبية وإطلاق عدد من الأقمار الاصطناعية (خليفة سات في العام 2018) من أجل رصد كوكب الأرض، إلى أن جاءت اللحظة التاريخية لإطلاق مسبار الأمل في يوليو 2020 لرصد المريخ واكتشافه في مهمة تهدف إلى معرفة مدى ملاءمة الكوكب لعيش الإنسان.

عادة ما ترتبط مبادرات الإمارات ومشاريعها الكبرى ببعدين: البعد الأول إنساني دولي، والبعد الثاني عربي قومي

بهذه الخطوة الإماراتية الجريئة يسجل العرب وجودهم ضمن رواد الفضاء، كما أصبح لديهم مشروع قومي يتحدث باسم كل العرب بدلا من الاكتفاء بالتغني بالإرث العاطفي للحضارة العربية الإسلامية. دولة الإمارات قدوة عربية مرة أخرى في مجال علمي وإنساني جديد، وترسخ جهودها لتكون في طليعة الدول الباعثة للأمل في نفوس العرب، ومرجعا في وضع قواعد وضوابط التواصل مع الشركاء وغيرها من الأساسيات التي يحتاجها من يريد الدخول في هذا المجال.

الحدث العربي العالمي يحمل رسالة للقيادات العربية بأن الاستثمار الحقيقي هو الاستثمار في الإنسان باعتباره السلاح الذي يخدم العملية التنموية في بلاده، ويبث رسالة واضحة إلى الساعين لتحطيم ثقة الشباب العربي مفادها من لا يريد أن يفتخر بالإنجازات العربية ولا يريد أن يكون ضمن هذا المشروع القومي العربي، عليه ألا يقف ضده، ويقلل من حجمه.

القطار العربي نحو الفضاء قد انطلق.. وبقيادة إماراتية.