قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

ما فتئت وقائع التاريخ تخبرنا بأن حماية «الأمن القومي» تظل أولى المهام المعقودة للسلطات، وفي هذا الصدد لم تخفق عديد الدول في البرهنة على الاستجابة العاقلة أحياناً، والجائرة في كثير من الأحيان، لمقتضيات تلك الحماية، بخاصة عندما تتصادم أولوية حرية الرأي والتعبير مع استحقاقات صيانة هذا الأمن، كما تشخصها الحكومات الواقعة تحت تأثير التهديد. وتظل القدرة على ضبط النفس في مواجهة النوازل، ومعها آليات التشريع وحدود التدابير، عنواناً لكفاءة المقاربة من جانب، واتساقاً مع طبيعة القانون باعتباره معالجة ضابطة مُجردة وليس رد فعل من جانب آخر.
لطالما كانت فرنسا موئلاً للخبرة التشريعية؛ ومنها اشتق عديد البلدان نسقه القانوني والدستوري أو تمثّل مراميه، ومع ذلك فإن الاختلالات الناجمة عن الأدوار الملتبسة للتعبير عن الرأي عبر وسائط الاتصال التقليدية والجديدة، نجحت في طبع أثرها الثقيل على العملية التشريعية في هذا البلد. ففي شهر فبراير (شباط) الماضي، صادق نواب الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) بغالبية الأصوات على قانون جديد يحمل اسم صامويل باتي، المدرّس الذي قتل قرب باريس في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. وينتمي هذا القانون، الذي لقي إقراره معارضة لم تنجح في كبحه، إلى جملة من التشريعات التي ستتم المصادقة عليها لاحقاً تحت عنوان عريض هو: «تعزيز احترام المبادئ الجمهورية».
يعاقب «قانون صامويل باتي» بالسجن ثلاث سنوات وبغرامة مالية قدرها 45 ألف يورو كل شخص «يُعرّض حياة شخص آخر للخطر عبر نشر معلومات مضللة ومضرة له». وهو أمر يثير شكوكاً كثيرة حول اتساقه مع مقتضيات حرية الرأي والتعبير من جهة، كما يطرح محاذير معتبرة، عبّر عنها برلمانيون وقادة حزبيون، إزاء اتساع معناه، وعدم التزامه الضبط والتحديد اللائقين بالتشريع، من جهة أخرى.
تقول الحكومة إن المصادقة على هذا القانون جاءت في أعقاب قضية صامويل باتي، بهدف مكافحة «التهديدات التي تستهدف العديد من الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكان صامويل باتي مدرس التاريخ في مدرسة «كونفلان سانت أونورين»، قرب العاصمة باريس، قد تعرض للذبح إثر عرضه عدداً من «الرسوم المسيئة»، خلال إلقائه درساً عن العلمانية على تلاميذ المدرسة، قبل أربعة شهور.
وربطت الحكومة بين تلك الواقعة وبين «الاستخدام المسيء للتعبير عن الرأي عبر الوسائط الرائجة»، عندما تبين لها أن نشر ولي أمر أحد التلاميذ مقطع فيديو بخصوص الواقعة شهد تداولاً كبيراً، وأسهم في إذكاء شعور بالغضب، إضافة إلى رصد وزارة التربية 800 مشاركة على وسائط «التواصل الاجتماعي» بخصوص الواقعة، ثبت أن 17 في المائة منها تسوغ الإرهاب، مما كان له أكبر الأثر في تطور الأحداث وصولاً إلى قطع رأس المدرس.
لا تقف فرنسا وحدها حين يرد القول عن استجابات تشريعية حادة وغير مدروسة في مواجهة مخاطر إرهابية زاعقة؛ فعندما وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) ضد الولايات المتحدة، انتفض المجتمع الأميركي بأسره غاضباً وخائفاً من هول الضربة والصدمة؛ الأمر الذي ساعد الرئيس جورج دبليو بوش وإدارته آنذاك على تمرير سلسلة من القوانين الهادفة إلى «مكافحة الإرهاب».
وفي غضون ستة أسابيع فقط تم إقرار القانون الذي نعرفه باسم «باتريوت أكت» (USA Patriot Act)، وهو القانون الذي عرّف الإرهاب «بشكل فضفاض»، و«أطلق أيدي ممثلي السلطة التنفيذية من دون محاسبة»، و«انتهك الدستور»، و«لم يخضع لمراجعة كافية»، و«جرى تمريره في البرلمان دون أن يدرسه أعضاء كثيرون»، و«منح بعض السلطات صلاحيات القيام بعمليات تجسس ومراقبة من دون إذن قضائي».
لم تكن تلك العبارات سوى بعض الانتقادات التي وُجّهت للقانون، والتي لم تفلح أبداً في الصمود في مواجهة وجهة النظر الرسمية آنذاك، لكن هذا التشريع خضع لتعديلات عُدت لاحقاً «خطوة في الاتجاه الصحيح»، حين صدر قانون «يو إس إيه فريدوم أكت» في يونيو (حزيران) 2015.
نحن الآن نعرف أن المجتمعات التي تواجه مخاطر إرهابية سرعان ما تتخذ تدابير استثنائية لمواجهة هذا التهديد الاستثنائي. وأن هذا الأمر يحدث في دول كبرى لطالما عُدت من معاقل الحريات، وكثيراً ما ينعكس في قوانين لم يكن لها أن تمر أبداً في ظل ظروف عادية.
إن أفضل ما يمكن أن تفعله حكومة في مواجهة التهديدات الإرهابية عالية الحدة سيحدث عندما لا تبالغ في ردود الفعل إزاء المخاوف، وألا تسنّ قوانين لمعالجة أمور تعالجها التشريعات القائمة بالفعل، وألا تجور على حرية الرأي والتعبير جوراً لا تستقيم الأمور من بعده.