قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

شهدت أسعار الغاز في أوروبا قفزات كبيرة محطمة الرقم القياسي تلو الآخر، وسط تزايد الإقبال العالمي على استهلاك الطاقة في ظل تراجع المخزون، قرب فصل الشتاء وبوادر الانتعاش الاقتصادي. والمملكة المتحدة تواجه هي الأخرى نقصا في المعروض يذكر بالشتاء القارس في أواخر سبعينيات القرن الماضي. وفي الصين، المصانع تغلق أبوابها بسبب نقص الطاقة، والتوقعات غير متفائلة. في الواقع، قد تكون هذه هي الأزمة الأولى من بين عديد من الأزمات القادمة.
بالفعل، وصلت تداعيات أزمة الطاقة في أوروبا إلى آسيا، حيث تهدد أسعار الفحم والغاز الطبيعي المسال، التي بلغت مستويات قياسية فيها، بإبطاء الاقتصادات الأسرع نموا في المنطقة. أزمة الطاقة العالمية، التي جعلت الدول المستوردة للطاقة تتدافع لتأمين الإمدادات حتى بأسعار قياسية، يمكن أن تكون عقبة كبيرة على طريق التحول في مجال الطاقة الذي يروج له كثيرا.
آسيا هي الصورة الرمزية للاعتماد على الفحم – لا يزال هذا الوقود يمثل حصة كبيرة من توليد الطاقة وهو المحرك للنمو الاقتصادي الصناعي، بما في ذلك في ثاني أكبر اقتصاد في العالم وأكبر مستورد للنفط، والآن الغاز الطبيعي المسال: الصين.
تتمثل السياسة الحكومية الحالية في الصين، وكذلك في الهند، في تأمين إمدادات الطاقة لفصل الشتاء بأي ثمن لتجنب أو منع انقطاع التيار الكهربائي الذي قد يشل النمو الاقتصادي ويزيد من الضغط على سلاسل التوريد العالمية. لقد ارتفعت أسعار الفحم إلى مستوى قياسي في الأسبوعين الماضيين. وكذلك فعلت أسعار الغاز الطبيعي المسال في آسيا، متجاوزة الرقم القياسي السابق المسجل في الشتاء الماضي.
على المدى الطويل، الاقتصادات في آسيا على مفترق طرق. حيث يمكنهم الاستمرار في الاعتماد على كميات كبيرة من الفحم والغاز كأساس لتوليد الطاقة والصناعات والاستعداد لمواجهة مزيد من صدمات العرض والأسعار في المستقبل. أو يمكنهم تسريع نشر مصادر الطاقة المتجددة لاستبدال محطات التوليد التي تعمل بالفحم، ودعم مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة بتوفير البطاريات للتخزين ومحطات الذروة التي تعمل بالغاز.
لقد حددت بعض الدول الآسيوية، بما في ذلك الصين، اليابان وكوريا الجنوبية، أهدافا لحياد الكربون في 2050 أو، في حالة الصين، في 2060. في حين ليس لدى الهند أي هدف من هذا القبيل ولا تزال تعتمد كثيرا على الفحم، الذي يشكل 70 في المائة من توليد الكهرباء، على الرغم من ارتفاع مصادر الطاقة المتجددة في كل من الصين والهند.
تكمن مشكلة مصادر الطاقة المتجددة في أنه حتى مع الوتيرة السريعة لنشر هذه المصادر، إلا أنها ستظل أقل من الطلب المتزايد على الطاقة في آسيا، حيث التصنيع والتحضر على قدم وساق، على عكس الاقتصادات المتقدمة حيث تنتهي معظم هذه العمليات. المشكلة الأخرى الأكثر تقنية مع مصادر الطاقة المتجددة هي أنها ستحتاج إلى دعم الغاز وسعة تخزين ضخمة للبطاريات لضمان موثوقية الشبكات. هذا قدر كبير من الاستثمار المطلوب للاقتصادات الأكثر خضرة في آسيا. ستشكل الخيارات التي تتخذها الاقتصادات الآسيوية الفردية لإمداداتها من الطاقة على المدى الطويل اتجاهات الطلب على الفحم والغاز خلال العقود القليلة المقبلة.
يشير جميع المحللين والمتنبئين إلى أن الطلب على الفحم في انخفاض مستمر. مع ذلك، توقعت وكالة الطاقة الدولية في كانون الأول (ديسمبر) الماضي نموا بنسبة 2.6 في المائة في الطلب العالمي في 2021 بقيادة الصين والهند وجنوب شرق آسيا. بالفعل، آسيا النامية هي التي ستدعم نهضة الفحم الأخيرة هذا العقد. نظرا للأسعار القياسية للغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا، فإن الطلب على الفحم ينمو حاليا بأكثر مما كان متوقعا في السابق. وفقا لتقديرات الوكالة، من المقرر أن يستقر الطلب على الفحم على مستوى العالم بحلول 2025. ومع ذلك، يمكن لآسيا أن تطيل عمر المحطات الجديدة نسبيا التي تعمل بالفحم، الأمر الذي سيدعم الطلب، وفقا لبعض المحللين.
لقد تعهدت الصين أخيرا بإنهاء الاستثمار الخارجي في الفحم، الذي قد يلحق الضرر بالطلب على الفحم في بقية دول آسيا هذا العقد. لم تعد المشكلة تتعلق بعدد مشاريع الفحم الجديدة التي سيتم تمويلها، ولكن ما إذا كانت الدول قادرة على تحمل تكاليف تقاعد أساطيلها الحالية ومتى. نظرا لكون محطات الفحم حديثة نسبيا في آسيا النامية والافتقار إلى تمويل جديد للفحم، قد تضطر الدول إلى إطالة عمر محطات الفحم الحالية لاستيعاب انتقال طاقة أقل اضطرابا. في حين أن مستقبل الغاز الطبيعي المسال والغاز الطبيعي أكثر إشراقا، حيث تشير جميع التوقعات حاليا إلى أن الغاز هو الوقود الأكثر مرونة طوال فترة تحول الطاقة، على الرغم من الضغوط حول انبعاثات الميثان في سلسلة إمداد الغاز.
بالنسبة لآسيا، على وجه الخصوص، سيكون الغاز هو مفتاح التحول بعيدا عن الفحم، والصين هي أفضل مثال على ذلك. لا يمكن أن تتحقق تعهدات الصين لخفض الانبعاثات من دون الغاز والغاز الطبيعي المسال. لقد قفز الطلب على الغاز في الصين بنسبة 16 في المائة سنويا في النصف الأول من 2021، مدفوعا بطلب قوي من محطات التوليد والقطاع الصناعي، وفقا لتقديرات "وود ماكنزي". سيستمر الطلب الصيني على الغاز في النمو حتى 2050، على الرغم من أن النمو سيتباطأ بعد 2030، وفقا للمصدر نفسه. بالفعل، يتماشى الغاز الطبيعي مع استراتيجيات الصين في تنويع مزيج الطاقة الذي يهيمن عليه الفحم، وتحسين جودة الهواء ومتابعة التنمية منخفضة الكربون. ولتلبية الطلب المتزايد على الغاز، تعمل الصين على تعزيز الإنتاج المحلي، إزالة الاختناقات من البنية التحتية، تنويع مصادر الاستيراد، وإدخال إصلاحات على السوق.
مما تقدم، تظهر أزمة نقص الطاقة على مستوى العالم، بالنسبة للبعض، مخاطر التخلي عن الغاز والفحم قبل أن يكتمل نمو مصادر الطاقة المتجددة. من المحتمل أن تكون آسيا الآن أشد حذرا إلى حد ما إزاء إحالة محطات توليد الكهرباء بالفحم إلى التقاعد. إضافة إلى ذلك، تعد الأزمة الحالية بمنزلة تحذير لصانعي السياسات من أنه لا يمكن التعجيل بتحول الطاقة قبل وضع قواعد جديدة وبناء منظومات تخزين طاقة لدعم الارتفاع الجديد في مصادر الطاقة الشمسية والرياح. الجميع يعلم أن تحول الطاقة لن يكون رخيصا، وتظهر أزمة الطاقة المستمرة أنه لا يمكن لأحد أن يضع العربة أمام الحصان في عملية التحول - الدعم والمرونة أمران حيويان لأي نظام طاقة ناجح.