قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لا أحد يعلم على وجه الدقة كيف بدأ ما يسمى «الربيع العربي»، ولا أحد يعلم كيف سينتهي، فمن غير المعقول أن تتسبب كتابات أطفال على جدران مدرسة بإحضار مقاتلين من بقاع الأرض كافة بسرعة تفوق الاستعدادات لأي حرب، وأن يحتل هؤلاء المقاتلون أراضي شاسعة بسرعة قياسية، وأن تتسارع الأحداث لنشهد معارك طاحنة بأسلحة فتاكة، ثم تخبو جذوة هؤلاء المقاتلين فجأة بطريقة لا تتناسب وحجم الهجوم عليهم، إن كان من الجو أو البر، كما أنه من غير المنطقي قيام هؤلاء المقاتلين بالسيطرة خلال أربع ساعات على منطقة شاسعة فيها أسلحة ثقيلة وعدد وعتاد تكفي جيشاً.

ومن غير المعقول أن يتسبب شاب أحرق نفسه بقلب نظام خلال يومين أو ثلاثة أو أكثر بقليل، وأن يظهر متحدثون وأحزاب واتجاهات سياسية تتحدث عن وطن جديد وديمقراطية، وفجأة تنهار الديمقراطية وتنقسم البلاد وتُصاب بالإفلاس، وأيضاً من غير المنطقي سقوط نظام كان يظن نفسه الأكثر متانة، فيُقتل زعيمه قتلاً غير أخلاقي.

ولا أحد يعلم أيضاً كيف سينتهي هذا «الربيع» في الدول التي أصيبت به، ما شكل أنظمتها؟ ما توجّهاتها؟ وما استراتيجياتها؟. نقول ذلك لأن البداية الحقيقية ل«الربيع» لم تكن في التواريخ التي وقعت فيها الأحداث، فإن حجم الدمار وسرعة اكتساح الأراضي يشِيان ببدايات أبعد بكثير، ولا أظن أن الشعب كان ينظّم نفسه على شكل خلايا نائمة، وكان هناك قياديون من الشعب ذاته أسسوا لذاك الحراك، والدليل وجود جنسيات كثيرة وبأعداد كبيرة شاركت في المعارك: مقاتلون مدربون على حرب العصابات والشوارع، يستطيعون قيادة الدبابات، ويمكنهم إدارة حقول نفط بأكملها، والناجون أو الهاربون من أتون الأمكنة سردوا قصصاً عن أجانب هبطوا عليهم من حيث لا يدرون، وأعلنوا إمارات إسلامية وغيرها، وهذا ينفي الاستعداد الجماهيري للانتفاض والثورة، باستثناء انشقاق عدد من الجنود ضمن كتيبة معينة.

الدول التي شهدت «الربيع العربي» ولم تشهد معارك عسكرية تغلّبت على الشعارات بسرعة قياسية، وحلّ محل النظام رجالات من النظام ذاته، وقادوا التغيير الذي لم يستقر بعد، وإن ظهر مستقراً، فالديمقراطية التي مورست لم تكن ديمقراطية بالمعنى الحقيقي؛ لأنها أعادت إنتاج النظام نفسه بوجوه مختلفة، ولا يزال عدم الاستقرار سيد الموقف في دولة أو أكثر.

العرب كانوا غائبين عن اللعبة، حتى لو مارسوا لعبة الاختفاء والظهور خلال احتدام المعارك وخفوتها، والمقاتلون المتشددون لم يتلقوا دعماً حقيقياً عربياً، والداعم الأجنبي ظلّ مُموهاً غير واضح المعالم حتى الآن، رغم أنه كان يدعم من جهة ويقتل من جهة، لهذا يمكننا إعادة طرح محور فكرتنا من جديد، لا أحد يعلم كيف بدأ ما يسمى «الربيع العربي»، ولا أحد يعرف كيف سينتهي، ولا أحد يعلم على وجه الدقة من هو المموّل الحقيقي والداعم الرئيسي لهذا الحراك الهمجي الذي زرع الفتنة في الوطن العربي، ولماذا كفّ يده فجأة، وهل كفّ اليد دائم أم مؤقت؟

إذا كان العرب لم يشاركوا في البداية فقد حان الوقت ليشاركوا في النهاية، فيوحّدوا صفوفهم ويرسموا خططهم لإنقاذ الشعوب قبل الأنظمة، فإن لم يتدخلوا -والتدخل في شؤون الغير مشروع في هذه الحالة- فإن الدول المشار إليها ضمناً ستبقى في حالة عدم استقرار، وخاضعة لمزاد علني لسنوات طويلة، وقد تنتشر شرارة الفوضى إلى الدول المجاورة، لا سيّما مع وجود تنظيم عالمي مدعوم من قوى عالمية، هو الذي يحرص على إبقاء الواقع على حاله، ليتسنّى له الانقضاض عليه والتحكّم به، وهذا التنظيم يخطط لهذا منذ اشتداد عزم القومية في العالم العربي، وهدفه ليس دولة بعينها وإنما المجموع، وقد رأينا أذرعه العسكرية كيف انتشرت دفعة واحدة في معظم الدول العربية، واستطاع التنظيم في زمن ماضٍ قريب اعتلاء سُدة الحكم في دولة عربية كبيرة، والقضية لا تحتاج إلى وحدة عربية بقدر ما تتطلب تنسيقاً واضحاً وبنوايا حسنة لينجو الجميع..