قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

هناك ما يكفي من معطيات دقيقة تؤكّد أنّ رئيس "تيار المستقبل" سعد الحريري " يُفكّر بصوت عال"، في إمكان عدم خوضه و"تيار المستقبل" الانتخابات النيابية المقبلة.

وعلى الرغم من تأكيد بعض المطّلعين أنّ هذا "التفكير بصوت عال" هو ترجمة لقرار نهائي "مضمر" تتم تهيئة الأرضية للإعلان رسمياً عنه، إلّا أنّ البعض الآخر يشكّك في "نهائيته" ليرى فيه احتمالاً من احتمالات عدة مفتوحة كلّها على الظروف التي ستتكوّن لدى الحريري وفي بيئته، عندما تحين لحظة الحسم.

مهما تكن عليه الحال، فإنّ الثابت أنّ "احتمال" عزوف الحريري عن ترشيح نفسه وتياره السياسي هو كلام منسوب الى "صاحب القرار"، وقد ثابر، منذ أسابيع عدة، على طرحه أمام عدد من المقرّبين منه، سواء في أبي ظبي أو باريس.

وبغض النظر عن "نهائية" هذا القرار أو "احتماله"، فإنّ السؤال المحوري الذي يطرح نفسه: ما خلفية تفكير الحريري بالعزوف عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة؟ وتالياً من يمكن أن يحلّ مكانه؟ ومن تراه سوف يستفيد من غيابه السياسي؟

حتى حصول الانتخابات النيابية المقبلة، إنّ الحريري بصفته رئيس "تيار المستقبل" هو أقوى مكوّن سياسي في الطائفة السنيّة في لبنان.

وعلى الرغم من تراجع قوّته نسبياً في الانتخابات النيابية الأخيرة، إلّا أنّ أيّ قوة سياسية لم تستطع أن تقدّم نفسها بديلاً حقيقياً عن "تيار المستقبل" في البيئة السنية. صحيح أنّ هناك شخصيات استعادت حضورها المحلّي، لكنّها بقيت من دون أيّ حضور يُذكر على امتداد لبنان، على عكس "تيار المستقبل".

وهذا يعني أنّ عزوف الحريري وتياره عن خوض غمار الانتخابات النيابية، سوف يؤدّي، في زمن "شدشدة" عصب الطوائف المكوّنة للبنان، إلى تفتيت التمثيل السياسي للطائفة السنيّة التي تعتبر، بحسب لوائح الشطب، أكبر طوائف لبنان على الإطلاق.

لماذا يمكن أن يقدم الحريري على خطوة مماثلة؟

بطبيعة الحال، التفسير المبسّط يربط هذا التوجّه بتدهور أوضاع سعد الحريري المالية، فهو، كما بات ثابتاً، إنتقل من حالة اليسر إلى حالة العسر، وتالياً يعتبر البعض أن ليس بقدرة أيّ كان أن يخوض غمار الانتخابات النيابية من دون ميزانية.

ولكنّ هذا التفسير لا يمكن أن يتطابق وواقع الحال، لأنّ الحريري، في حال قرّر خوض الانتخابات، يمكنه أن يوفّر تمويلاً للوائحه الانتخابية، وفق سيناريوهات تعتمدها زعامات لبنانية أخرى، بحيث يقدم على ترشيح أصحاب ثروات أو يتحالف معها أو يستقطب دعمها.

وهذا يعني أنّ المبرّر المالي، حتى لو حمل وجهاً من وجوه الصحّة، يبقى قاصراً عن تقديم تفسير عميق لخطوة الحريري المحتملة. وعليه، يفترض نقل النقاش إلى المستوى السياسي.

من المؤكّد أنّ الرئيس سعد الحريري "محبط" سياسياً، فهو، بالإستناد الى تحليل أبعاد أحاديثه وبياناته الكثيرة، في السنوات الأخيرة، لم يعد يجد أيّ جدوى حقيقية من وجوده، راهناً، في الساحة السياسية اللبنانية.

في مكان ما، يعكس طرحه احتمال العزوف عن ترشيح نفسه في الانتخابات النيابية المقبلة، ما يعتري الواقع السياسي اللبناني من مصائب ومخاطر.

لقد جرّب الحريري كلّ الإحتمالات ولكنّها لم تُنتج. جرّب المواجهة جنباً الى جنب مع "قوى 14 آذار"، ففشلت، على إيقاع "غزوة" السابع من أيّار (مايو) 2008، وما سبقها وواكبها وتبعها من عمليات اغتيال، وصلت الى عقر داره، باستهداف اللواء وسام الحسن والوزير السابق محمد شطح. جرّب الحوار مع "حزب الله" فلم يؤدِّ الى أيّ نتيجة على الرغم من أنّه تكبّد ثمن ذلك في "زعزعة" تحالفاته الإقليمية الأساسية. جرّب الشراكة مع "التيار الوطني الحر" فانتهت الى كارثة على لبنان وقضت على "شعرة معاوية" التي كانت لا تزال تربطه بحلفائه المحليين. جرّب التراجع أمام "ثورة 17 أكتوبر"، عندما استقال من الحكومة، خلافاً لإرادة "حزب الله"، فخمدت لتفتح المجال أمام "حكومة الأقنعة" برئاسة حسّان دياب التي لولا انفجار مرفأ بيروت، لما كانت قد تزحزحت. حاول مع "المبادرة الفرنسية" لكنّ صاحب هذه المبادرة تراجع عن "خطوطه الحمراء" وبات مطلوباً "حكومة بأيّ ثمن"، أي حكومة تحمل في طيّاتها صواعق تفجيرها، فانسحب مفسحاً المجال أمام الرئيس نجيب ميقاتي الذي كان، بصفته أحد أعضاء "نادي الرؤساء السابقين"، يزايد في "المعايير الدستورية"، فتحوّل، عند تكليفه تشكيل الحكومة، إلى مشجّع للمرشحين لشغل مناصب وزارية حتى يذهبوا الى "صالة امتحانات" جبران باسيل.

إنّ قوّة سعد الحريري البرلمانية في دورتي العامين 2005 و2009، وقبل ان تتقلّص في الدورة الانتخابية الأخيرة، لم تقدّم أيّ نتيجة تذكر، فتنامت سيطرة "حزب الله"، وتقزّمت قدرات الدولة، وانهارت علاقات لبنان "الإنقاذية".

كان الحريري يتطلّع إلى نتائج مختلفة تماماً. خساراته الشخصية الناجمة عن خياراته السياسية، بدل أن تخدم طموحه الوطني، ضربته بالعمق.

هذه المراجعة للخيارات والنتائج حاضرة، بقوة، في تقييم الحريري لخطوته المحتملة، ولكن ما هي انعكاساتها على الواقع اللبناني؟

على مستوى تمدّد "حزب الله" فهي لن تؤخّر، ولن تقدّم، فقد ثبت أنّ مواجهة هذا الحزب مؤسساتياً لا تُجدي نفعاً، في حين أنّ الحريري أخذ على نفسه تعهّداً بأن لا ينزلق أبداً الى مواجهة في الميدان، يمكن أن يستفيد منها شبح الحرب الأهلية الذي يحوم فوق البلاد.

وعلى مستوى الطائفة السنيّة، هناك قوى وشخصيات تعتبر نفسها بديلاً حقيقياً وتزعم أنّها تحمل "كلمة السر" المنتجة للحلول، وتالياً لا ضير من أن "تُجرّب حظّها" ويختبرها اللبنانيون.

وعلى المستوى الوطني، إنّ من سبق أن رفض معايير الشراكة مع الحريري، عليه أن يحاول مع غيره.

وعلى المستوى الشخصي، إنّ الحريري يمكنه أن يتفرّغ لأعماله الخاصة، من دون أن ينقطع عن متابعة الشأن الوطني.

إنّ خطوة بحجم عزوف الرئيس سعد الحريري عن خوض الانتخابات النيابية المقبلة، في حال تجسّدت رسمياً، لن تكون، مهما جاءت تفسيراتها، خطوة عابرة، بل سوف تترك تردّدات كثيرة، على كلّ المستويات، فاللبنانيون بأكثريتهم، يتطلّعون الى التخلّص من "كلّن يعني كلّن"، ولكنّهم قد يجدون أنفسهم، في وضعية مغايرة، إذا ما رأوا أنّ فريقاً واحداً يُغلق أبواب منزله لتبقى الأبواب الأخرى-وهي الأسوأ بنظر البعض-مشرّعة على مصاريعها.