حين يدور الحديث عن الكتابة الإبداعية ينصرف النظر في الغالب الأعم، نحو الشعر والقصة القصيرة والرواية، وقد تكون هذه الأجناس الثلاثة هي الأكثر انتشاراً أو تداولاً، لكن دائرة الإبداع لا تقف عندها، فهناك أجناس أخرى لا تقل جمالاً وجاذبية حين يكون من يكتبها على القدر الكافي من الموهبة والمهارة.
من هذه الأجناس تأتي السيرة الذاتية والمذكرات، وكذلك المقال، وتفرق الدكتورة لطيفة الزيات بين اليوميات والرسائل من جهة فتصفها بـ«الكتابة الشخصية»، والمذكرات من جهة ثانية. ففي الأولى يكشف الكاتب عن حياته أو للدقة عن جوانب أو لمحات منها، يرسم فيها صورة لنفسه ويكشف عن جانب من إحساسه وعواطفه، سواء كان ذلك بوعي أو بدون وعي، أما الثانية؛ أي المذكرات، فهي تختلف، ولو بعض الشيء عن السيرة الشخصية أو الذاتية.
في الأخيرة يوجه الكاتب اهتمامه إلى رسم الشخصيات دون إغفال الأحداث الخارجية، ودون أن يغرق في تفاصيلها، فالمهم بالنسبة له دور الشخصية، لكن من زاوية تأثر الشخصية المعنية بها، أو تأثيرها فيها، أو الأمرين معاً.
ما طرحته لطيفة الزيات بهذا الخصوص جاء في كتاب لها عن «حركة الترجمة الأدبية من الإنجليزية إلى العربية في مصر في الفترة بين 1882 إلى 1925»، حرره وقدّم له خيري دومة. وأفرد الكتاب صفحات لتطور فن المقال في الأدب الإنجليزي؛ كونه، أي الكتاب، يتناول الترجمة، وترى الكاتبة أنه يكاد يكون من المستحيل أن نعطي تعريفاً محدداً للمقال، لكنها مع ذلك تقول، إنه «إنشاء نثري محدود بمساحة معينة وبموضوع معين».
بشيء من التفصيل، ترى الزيات أن المقال هو واحد من اثنين، فإما أن يكون مقالاً موضوعياً تقليدياً يدخل في نطاقه المقال التاريخي والنقدي والتراجم، وإما مقال ذاتي تغلب عليه الصفة الشخصية ويحاول فيه الكاتب أن يخلق الألفة بينه وبين القارئ، وفي هذا النوع يدخل المقال الساخر.
وإذا كان الكاتب في النوع الأول يُصوّر الموضوع تصويراً منطقياً، فإنه في النوع الثاني يُدلي بأفكاره بمرونة أكبر وحرية أوسع من التقيّد بصرامة البحث؛ بل إنه ـ والقول هنا للزيات ـ «يعتمد على العاطفة حيناً أو على الخيال أو الفكاهة». وتعيد الكاتبة تأسيس فن المقال في الأدب الإنجليزي إلى فرانسيس باكون الذي تتميز مقالاته بالاقتصاد في استخدام المفردات، بحيث تؤدي الجملة المعنى بدون إضافة أو زيادة.
شخصياً لطالما أحببت في الكتابة عامة، وفي المقال خاصة، قدرة الكاتب على الإيجاز وإيصال الفكرة بأقل عدد ممكن من الكلمات، دون المساس ـ قدر الإمكان ـ بعمقها، وهي ليست مهمة سهلة، كما تبدو، فهي أصعب بكثير من الإسهاب.















التعليقات