شأنها شأن كل الحروب التي وقعت في العالم، وبصرف النظر عن دوافعها والمقاصد منها، فإن الحرب التي يشنها الجيش الروسي على أوكرانيا منذ أكثر من شهر، هي حرب مؤذية للحس الإنساني وتسيء أيما إساءة لكرامة الإنسان. ومن فرط قسوة هذه الحرب وانتهاكاتها للقيم الإنسانية أنها في غضون شهر شردت أكثر من نصف الأطفال الأوكرانيين الذين لا ذنب لهم في كل ما يحدث بين الكبار، وأحالت بلدهم إلى كتلة نار مستعرة لم تعد صالحة للعيش الآدمي. ورغم ذلك فإن هذه الحرب وغيرها من الحروب الأخرى المفروضة والتي لم يكن هناك مفر منها لتكاثف حتمية اندلاعها تعطي الدليل القاطع على أنّ الأمن والأمان هو ضالة الإنسان التي يبحث عنها على الدوام لتستقيم حياته ويكمل بها مقومات عيشه وحضارته.
هذه الحرب، أي الحرب الأوكرانية الروسية، وبالمقارنة بحروب شنتها الولايات المتحدة الأمريكية في أكثر من بلد في العالم، ومع الأخذ بعين الاعتبار ما تكرسه آلة الإعلام الأمريكية، بصفتها قلعة الحرية وحامية حمى الديمقراطية ورافعة لوائها، فهي حرب يمكن القول إنّها مبررة؛ ذلك أن الأمن والأمان يستحق في كل الأحوال أن تبذل الأرواح من أجلهما بعد أن تُستنفذ كافة الحلول الأخرى. هذا القول لا يبرر للحرب على أوكرانيا ولكننا نسوقه لمقارنته مع سلوك الدولة العظمى الأخرى التي تمارس الفعل ذاته وتنبري لإدانة فعل من جنسه مع اختلاف الدوافع والمبررات. فأمريكا غزت وهجّرت واحتلت وقتّلت ولم تتعرض يوما واحدا لما تدفع هي باتخاذه من إجراءات ضد روسيا!
هذا ما يفعله الجيش الروسي في مسعاه من الحرب التي يشنها على الجارة والشقيقة السابقة لدرء أخطار اقتراب حلف الناتو من حدوده الغربية، وهو الاقتراب الذي يعتقد الروس أنه صنيع عملية تآمرية بن أوكرانيا وأمريكا التي تقود هذا الحلف، وأنه القطرة التي أفاضت الكأس، خاصة وأن الدب الروسي قد تعافى من سقطته الأخيرة التي جعلت دولا سابقة في حلف وارسو تنضم إلى الناتو رغم اتفاق سابق يقضي بالامتناع عن توسيع حلف الناتو شرقا، وأن موسكو قد استرجعت أنفاسها وانخرطت في لعبة الاقتصاد المعولم انخراطا فعالا جعلها واحدة من المالكين لأخطر سلاحين في العالم: الطاقة والغذاء. الموقف من هذه الحرب صعب، فالجيش الروسي ومن منطلق الدفاع عن أمنه أشعل فتيل هذه الحرب، وما كان من الجيش الأوكراني إلا أن انطلق للدفاع عن حدوده وحماية أمنه الداخلي والمحافظة على سيادته. السبب الذي أشعل الحرب عند روسيا أمني، كما أنه عند الأوكرانيين كمدافعين عن بلادهم، أمني أيضا. والمهم الآن وقد اندلعت الحرب وبات كل شيء في مرمى المدافع والصواريخ، أن لهذه الحرب ضحايا وأبرياء تنتظرهم كوارث اقتصادية واجتماعية وسياسية.
إزاء كل ذلك، ألم يكن من الأجدى لقوة كبرى كالولايات المتحدة الأمريكية أن تكون قد استفادت من تجاربها في التدخل، العسكري والمخابراتي، في شؤون دول أخرى كثيرة مثل العراق وليبيا وأفغانستان ويوغسلافيا السابقة ومن قبل هذه الدول جميعها الفيتنام ثم الشيلي التي أنجزت فيها الولايات المتحدة-بمناسبة الحديث عن نصرة الديمقراطية- انقلابا على سلفادور ألندي الرئيس المنتخب ديمقراطيا لتُحل محله واحد من أعتى الديكتاتوريين في العالم هو الجنرال بينوتشيه. ألم يكن جديرا بالولايات المتحدة أن تكون، بوصفها القوة الأعظم في العالم، طرفا في حل الخلافات بين روسيا وأوكرانيا قبل أن تستفحل وتتحول إلى حرب دامية لا يعرف لها نهاية، بدلا من أن تكون طرفا في صراع تزيد من إوار احتدامه وإدامة استمراره بقرارات خرقاء، وتصريحات مشينة لأعلى هرم في السلطة جعلت إدارته تتجند لتبرير ما لا يبرر ودفعت إعلامه المأجور إلى أن يطبل في مسرحية سمجة سيئة الإخراج حرص فيها على إظهار البعد الإنساني للرئيس الأمريكي، وكأن عزل بوتين وإبعاده عن السلطة بمنطق الرئيس الأمريكي بايدن سيملأ الأرض سلاما بعدما مُلئت حروبا.
مهما يكن من أمر فالمنطق السليم يقول إن دخول الولايات المتحدة طرفا غير مباشر في الحرب يؤكد على أن المخاوف الروسية كان لها ما يبررها. فإذا كانت الولايات المتحدة تنكر على روسيا قلقها على أمنها، فما مبررات تدخل أمريكا في الدول السالفة الذكر والتي يفصلها عنها بلدان وبحار ومحيطات؟
ثمة ملاحظة جديرة بالذكر في هذا السياق وهي كثرة مخاطبة الرئيس الأوكراني للدول الأوروبية ومناشدتها في ما يشبه إصدار الأوامر باتخاذ إجراءات فورية ضد روسيا. وبإمكاننا أن نتفهم أن تكون مناشداته طلب المساعدة والتسليح وحشد الدعم الدولي لبلده أمرا معقولا في ظل الهجمة الروسية على بلده، ولكن ما لا يُمكن فهمه هو تجرؤه على أن يقرر الطريقة التي بها يتصرف كل من الاتحاد الأوروبي والناتو، أليس في ذلك ما يولد الشعور بالريبة؟! ثم ألا يقود هذا السلوك إلى أن نشك، بل وأن نرجح وجود أسرار وراء هذه الحرب التي يبدو أنها ستطول لتكون حرب استنزاف غايتها إنهاك روسيا وإضعافها وإرجاعها إلى ما كانت عليه قبل مجيء بوتين وترأسه البلاد خلفا للعجوز بوريس يلتسن؛ فالحرب الروسية الأكرانية تتجاوز، كما يبدو، في أسبابها وأبعادها حدود النزاع التقليدي بين دولتين جارتين؛ لأنها في اعتقادي محاولة يائسة لتعطيل تشكيل جديد لعالم فقد توازنه منذ نجحت الولايات المتحدة الأمريكية في تفكيك الاتحاد السوفياتي القديم وإنهاء وجود حلف فرصوفيا نجاحا جعل فرانسيس فوكوياما يعلن نهاية التاريخ، ولأنها أيضا حركةٌ استباقية أرادت بها الولايات المتحدة الأمريكية التهيئة لمواجهتها الحاسمة مع الصين المنازع الأول لها على الصدارة العالمية من خلال الفتك بأقوى حليف محتمل للتنين الصيني.














التعليقات