قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

لا يبدو أنّ المبادرة الفرنسيّة لرعاية حل سياسي للأزمة الاقتصادية والماليّة والسّياسية التي يَجتازها لبنان، منذ عامين، قد أصابت أيَّ حظٍّ من النّجاح في أهدافها التي أعلن عنها الرئيس ماكرون في زيارتيْه لبيروت، وأكّدت عليها مراجع السّياسة الخارجيّة، وحظيت بقبولٍ من أركان الدّولة اللّبنانيّة، ومن طيفٍ واسع من قوى المجتمع السّياسيّ. وهي المبادرة التي من أجل تسهيلها استقالت حكومة حسان دياب بغية فتح الطّريق أمام تكوين حكومة وطنية تمثيلية تنهض بتنفيذ برنامج الإصلاحات المطلوب.

لم تنجح في تمكين لبنان من المساعدات الدّولية لمغالبة وضعه الاقتصادي والمالي المنهار، فاكتفت بحثّه على الدّخول في مفاوضات مع صندوق النّقد الدّولي للحصول على دعمٍ يُسَخَّر لتنفيذ برنامج الإصلاحات. ولم يكن ذلك ما ينتظره اللبنانيون من فرنسا التي اعتادوا أن يروها أكثر حماسةً والتزاماً حين كانت تعقد مؤتمرات باريس 1 و2... لتأمين مساعدات للبلاد من الدّول المانحة؛ ولم تنجح حتّى في حمْل قوى الطّبقة السّياسية اللبنانيّة على كبْح جِماح خلافاتها، والتّداعي إلى حوارٍ وطني سياسي يسفر عن توافقٍ بينها على تشكيل حكومة وطنيّة جامعة تحظى بالثقة العامة، كي تقود برنامج إصلاحات إنقاذيّاً. ولم تكن حكومة نجيب ميقاتي الحالية هي - قطعاً - تلك الحكومة التي رُوهِن على قيامها، بل كان التطلّع إلى حكومةٍ أقوى تمثيليةً أوسع كفاءةً. وحتّى هذه نفسها لم يُعْلَن تشكيلُها إلاّ بعد فترةٍ طويلة من استقالة سابقتها (حكومة دياب) قضتْها حكومةً لتصريف الأعمال، في الوقت عينِه الذي دخلت فيه المبادرة الفرنسيّة طَوْرَ انكفاءٍ مديد حتى ظُنّ بها الزوال.

وليس المجال، هنا، مجال تحليل الأسباب والعوامل التي أَدَّت بالمبادرة الفرنسيّة إلى الإخفاق؛ هل هي أسباب خارجية تتعلق بضغطٍ ما دولي أو إقليمي على الدّور الفرنسي في لبنان، أم هي تنتمي إلى كوابح الداخل اللبناني ومقاومته لكلّ إصلاح، أم هي أسباب فرنسيّة داخليّة صرف... إلخ، إنّما يعنينا - في المقام الأوّل - التّنبيه إلى أنّ أزمة مثل الأزمة اللّبنانيّة لا تَقبل معالجة أجنبيّة لها، ولا يملك لا الفرنسيون ولا الأمريكيون ولا الروس أن يرعوا حلولاً سياسية توافقية ومستقرّة لها.

هي من الأزمات التي لا يُمكن أن تعالَج إلاّ من قِبَل أهلِها المباشرين منهم، أي اللّبنانيين أنفسهم، أو الأقربين، أي العرب؛ هؤلاء وحدهم يعرفون بعضهم البعض، ويدركون ما التّنازلات المتبادَلة المطلوبة لإنضاج شروط التّسويّات والحلول. ولكن لما كان مشهد حوارٍ وطني لبناني موسَّع للبحث في الأزمة الدّاخليّة مشهداً ممتنعاً، اليومَ، لأسباب عدّة لا يتّسع المجال لأن نَبْسُط فيها القول، لا يبقى من إمكانٍ متاح، إذن، سوى التعويل على مبادرةٍ عربية لرعاية تسوية سياسية لهذه الأزمة عن طريق رعاية عربية لحوار بين اللبنانيين ينتهي إلى إنتاج وفاق وطنيّ بينهم على مثال وفاق الطّائف.

لقائل أن يقول إنّ الوضع اليوم اختلف عن ذي قبل؛ حيث لكثير من الدّول العربية الكبرى في النّظام العربيّ الرّسميّ مشكلات عدّة مع قوًى وأطرافٍ في الساحة اللّبنانية تمنعها من القيام بأي دور وبالتالي، تجعل من الرعاية العربية للأزمة اللبنانية شأناً ممتنعاً، وربّما مستحيلاً؛ ناهيك عن أنّ العلاقات العربيّة- العربيّة ليست في أحسن حال، اليوم، لتسهيل اجتراح تفاهم عربي على برنامج رعاية مشترك لتّسويّة السّياسية للأزمة اللّبنانيّة. والقول هذا مردود لسببيْن على الأقلّ:

لأنّ دولاً عربية عدّة مثل مصر وسوريا والسّعوديّة والعراق والمغرب والجزائر لم تكن على وفاق، دائماً، مع الأطراف اللّبنانيّة كافّة، بل وُجِد من القوى اللّبنانية مَن ناصَب أكثرها الاعتراضَ الجهير في سياساته وإعلامه وأحياناً، حتّى ضدّ سفاراتها في لبنان. مع ذلك، ما مَنَع هذا كلُّه هذه الدّول العربيّة من التّوافق في القمّة العربيّة (في المغرب) على رعاية حلٍّ سياسيّ لحرب لبنان الأهليّة وتشكيل لجنة ثلاثيّة لهذا الغرض (من السّعوديّة والمغرب والجزائر)، وإرسال ممثّلٍ لها (الأخضر الإبراهيميّ) للحوار مع أطراف الأزمة. والمبادرةُ تلك هي التي فتحتِ الباب أمام الحوار الوطنيّ اللّبنانيّ في مؤتمر الطّائف، الذي أثمر اتّفاقاً على إنهاء الحرب وتعديل الدّستور وتسوية الأزمة.

ولأنّ الدّول العربيّة آنئذ، في نهاية الثّمانينات، لم تكن جميعُها على وفاقٍ كامل في الخيارات والسّياسات، بل كان بينها استقطابٌ حادّ. وما منعها من ذلك أن تضع مصلحة لبنان ومصلحتها في لبنان فوق كلّ اعتبار. ولا شيء يمنع الدّول العربيّة من أن تتوافق في جامعة الدّول العربيّة على مشروع مشترك لتعريب أزمة لبنان وحلّها في النّطاق العربيّ، بما يقيه من الأسوأ وبما يشدُّه أكثر فأكثر إلى محيطه العربي.

لبنان حاجةٌ عربيّة بامتياز. هكذا كان، وهكذا هو الآن، وهكذا سيبقى. لا غنَاء للعرب عنه وعن أدواره وكفاءاته كمخزونٍ رفيع للطّاقات. ولا قيامة للبنانَ من دون محيطه العربيّ الذي منه يعيش ويتنفّس. كلّ مكروه يصيبُه يصيب العرب بالتّبِعة، وكلّ مكروه يُلِمّ بالعرب يرتدّ عليه سلباً. هذا قدرُهُ ومستقبله ومجالُه الحيويّ. فمن ذا الذي يتضرر، إذن، من حل سياسي يأتيه من حاضنته العربيّة؟