قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

الباحث في تاريخ عمان الاقتصادي سيجد حتماً اسمه في صدر الصفحات؛ لأنه برز كرجل أعمال في بلاده يوم لم تكن الأخيرة مزدهرة أو جاذبة للأعمال، ثم لأنه أخذ على عاتقه مسؤوليات هي في صلب مسؤوليات الدولة، دعك من حقيقة أنه خاض غمار أنشطة تجارية وخدمية متنوعة. كل هذه الأمور مجتمعة حققت له سمعة حميدة وشهرة واسعة عند مواطنيه معطوفة على ثقة وتقدير ولاة الأمر في السلطنة، ولا سيما في أعقاب تولي السلطان قابوس الحكم في 23 يوليو 1970.

إنه رجل الأعمال وشيخ القبيلة ومالك الأراضي والعقارات ومؤسس الخدمات البريدية والمصرفية والبلدية في عمان، الحاج موسى بن عبد الرحمن بن حسن الرئيسي، المولود في مسقط سنة 1902 والمتوفى بها سنة 1987. وما بين هذين التاريخين عاش حياة حافلة بالإنجازات. ولعل ما ساعده في ذلك أنه كان في تلك الحقبة ضمن القلة القليلة من مواطنيه الذين نالوا قسطاً متقدماً نسبياً من التعليم من خلال الدراسة في مدرسة الإرسالية الأمريكية.

وعائلة «الرئيسي» التي ينتمي إليها الحاج موسى هي عائلة عمانية عريقة يتصل نسبها إلى بلى بن عمرو بن الحاف بن قضاعة بن مالك بن عمرو. ويعد «الرئيسيون» من ضمن القبائل البلوشية التي يشكل أبناؤها أحد مكونات الشعب العماني.

ولمعرفة المزيد عن هذه الشخصية التي خلفت وراءها إرثاً كبيراً من الإنجازات والخدمات وبما استحق معه عن جدارة الوسام الذي منحه إياه السلطان قابوس عام 1983، سنعتمد على عدد من المراجع أهمها: كتاب «رحلة مع الزمن» لوزير التجارة العماني الأسبق محمد الزبير، وكتاب «تاريخ البريد في عمان» لعبد الله بن سعيد البلوشي، وكتاب «تنوع المجتمع العماني» للبريطاني بيترسون.

بدأ الحاج موسى (أبوعبد الله) حياته العملية عام 1927 وهو في الخامسة والعشرين، حينما أسس شركة في مسقط لإمداد السفن التجارية والبوارج الحربية البريطانية بالفحم والمواد الغذائية والتموينية. وبمرور الوقت، وبروز مسقط كعاصمة وميناء لدولة معترف بها من القوى الأجنبية الكبرى، وكمركز رابط ما بين شبه الجزيرة العربية وسواحل المحيط الهندي وموانئ شرق أفريقيا، وتزايد عدد السفن القادمة أو المارة بمسقط، كان على «أبوعبد الله» أن يجاري هذه التطورات فيوسع مصادر السلع التي يزود بها السفن وينوعها.

ومن هنا راح يستورد من دول أفريقية وآسيوية مختلفة، الفحم والكيروسين والخشب والحبوب والشاي والبن والسكر والتمور والأسماك المجففة وبعض الفواكه والكماليات، الأمر الذي ربطه بعلاقات مع كبار التجار في الدول الأجنبية، ولا سيما الهند، وجعل منزله ومجلسه محجة للتجار العابرين.

لاحظت شركة النفط البريطانية «BP» أن «أبوعبد الله» يساهم مساهمة فعالة في استيراد الكيروسين والديزل وتوفيرهما من خلال العديد من المحطات التي كان يمتلكها في مسقط وساحل الباطنة وكانت تجذب الناس كونهما وقتذاك المصدر الوحيد للطاقة والطبخ والإنارة. ولهذا السبب، معطوفاً على سمعته التجارية الحميدة، قامت BP باختياره ممثلاً لها في عمان.

غير أن شهرته بين مواطنيه لم تأت من هذا فقط، وإنما أيضاً من أمر آخر لا يقل أهمية. ففي زمن السلطان سعيد بن تيمور، أي في الفترة ما بين 1932 ــ 1970، والتي تــُعرف في التاريخ العماني بفترة انغلاق البلاد على نفسها وانقطاعها عن التواصل مع العالم الخارجي، كانت الآلاف المؤلفة من أبناء عمان ينتشرون خارج بلادهم (خصوصاً في البحرين وقطر والكويت والسعودية والإمارات والعراق والهند ودول شرق أفريقيا) بحثاً عن الرزق أو العلم أو كليهما، وكانت وسيلة الاتصال الوحيدة بينهم وبين ذويهم في الداخل هي الخط (الرسائل).

وعلى الرغم من أن أول مكتب للبريد في عمان افتتح في مسقط في الأول من مايو 1864 تحت إشراف شركة الهند الشرقية، فإن خدمة توصيل الرسائل إلى أصحابها لم تتوفر بصفة رسمية منتظمة إلا بعد عقود طويلة من الزمن. لهذا شاع اسم الحاج موسى، وصندوق بريده في مسقط الحامل للرقم 4، كعنوان يرسل إليه المغتربون العمانيون رسائلهم إلى ذويهم، فيتولى هو إيصالها إلى أصحابها كخدمة مجانية.

ومن رحم خدمة توصيل الرسائل طرأت في ذهن صاحبنا فكرة تقديم خدمة أخرى موازية كان العمانيون بحاجة ماسة إليها، ولم تكن متوفرة حينذاك. ولم تكن هذه الفكرة سوى جعل عنوانه البريدي كقناة أيضاً للتحويلات المالية والمصرفية بين عمانيي الداخل وعمانيي الشتات. وقد باشر تقديم هذه الخدمة طوال أربعينات وخمسينات وستينات القرن العشرين. وهكذا صار عنوان «أبوعبد الله» ليس مجرد صندوق بريد وإنما رمز وطني يشير إلى حقبة من حقب التاريخ العماني.

ومما لا شك فيه أن خوضه غمار هذا المعترك الجديد أفاده كثيراً لجهة فهم أسرار ودقائق العمل المصرفي. لذا لم يكن غريباً أنْ يصبح عضواً مؤسساً في مجلس إدارة أحد أقدم المصارف في عمان ومنطقة الخليج بأسرها (البنك البريطاني للشرق الأوسط) وذلك حينما دشن البنك أعماله في عمان وافتتح أول فروعه في مسقط عام 1948.

وفي منتصف السبعينات، استثمر «أبوعبد الله» خبرته المصرفية في المساهمة في تأسيس بنك عمان والبحرين والكويت كشركة مساهمة بين بنك عمان وبنك البحرين والكويت (BBK)، قبل اندماجه مع بنك عمان التجاري.

أشرنا إلى العلاقة التي ربطت «أبوعبد الله» بشركة BP وكيف أنه صار وكيلاً لها في عمان، لكننا لم نشر إلى أن تلك العلاقة كانت مفتاحه للحصول على وكالات أخرى والدخول في شراكة مع مؤسسات بريطانية ذائعة الصيت مثل شركـة «غري ماكينزي» ومؤسسات بريطانية ـ عمانية مشتركة كشركة «دبليو جي تاول عمان وشركاه» التي أسسها في مسقط البحار الأمريكي وليم جاك تاول في ثمانينيات القرن 19 قبل أن يبيعها إلى عائلة سلطان العمانية.

وكان من نتائج انضمام الحاج موسى إلى الشركتين الأخيرتين ولادة كيان جديد اتخذ اسم مجموعة شركات «غري ماكينزي موسى تاول» (الوكالات العمانية المتحدة لاحقاً). والحقيقة أن الاسم الأخير كان يطلق على شركة أسسها صاحبنا عام 1956.

من عاش في عمان آنذاك يعرف تفاصيل الأعمال التي أخذت «الوكالات العمانية المتحدة» على عاتقها القيام بها. وهي أعمال متنوعة شملت توريد الإمدادات واللوجستيات الخاصة بأعمال شركات النفط العاملة في الأراضي العمانية، وتوريد وتسويق المواد الغذائية المتنوعة، والقيام بأعمال حجز الرحلات الجوية والبحرية وإرسال الشحنات والطرود وتزويد الناقلات بالوقود والمؤن.

وفي سبعينات القرن العشرين، أضاف الحاج موسى إلى أعمال شركاته قسماً خاصاً بالموبيليا والأثاث المكتبي. فتمكن من خلاله أن يحصل على مناقصات معتبرة لتأثيث معظم الوزارات والمؤسسات الحكومية الوليدة. وبالتزامن مع هذا النشاط حصل على العديد من الوكالات الخاصة بالمنتجات والسلع والكماليات الفاخرة مثل وكالة كاميرات «كانون»، ووكالة ساعات «أترنا ماتيك» السويسرية وغيرها من الوكالات التي باعها إلى تجار عمانيين آخرين في ثمانينات القرن المنصرم، محققا أرباحاً ضخمة.

لعب الحاج موسى دوراً أيضاً في تنفيذ مشروع لتزويد مدينتي مسقط ومطرح بالمياه بالتعاون مع إحدى الشركات البريطانية المتخصصة. وكان من جراء نجاحه في هذا المشروع أنْ حصل على حق تمثيل شركات بريطانية أخرى من تلك العاملة في قطاعات الزراعة والمياه والري، أو المنتجة للمكائن الزراعية ومضخات المياه وآلات حفر الآبار.

وهكذا كان لتعاونه مع هذه الشركات والمصانع الأجنبية الرائدة أثر إيجابي على التنمية الزراعية ليس في سلطنة عمان وحدها وإنما أيضاً في دولة الإمارات العربية المتحدة التي كان مؤسسها وقائدها الراحل المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، حريصاً على زيادة رقعة المساحات الخضراء فيها، وكان بالتالي يستقطب الشركات العاملة في هذا الحقل، ومنها شركة الحاج موسى التي أنجزت بعض مشاريع التطوير الزراعي في العين وإمارة رأس الخيمة.