لزمن طويل كان الخيال البشري، بمختلف ثقافاته، قلِقاً من فكرة الهجوم على كوكب الأرض من قبل كائنات فضائية شريرة تريد تدمير الكوكب. حتى في الأفلام الفانتازية عن حروب الفضاء، كان الخيال يسير في نفس الطريق، فالهجوم دوماً من خارج حدود الغلاف الجوي للكوكب، وفيه صحون طائرة أو مركبات ضخمة مجهزة بأشعة قاتلة لا يعرفها أحد. وتتضافر جهود «البطل الأميركي دوماً»، وهو بطل بشري مع طائرات أميركية تقود جيوشاً عالمية لمواجهة الهجوم الضخم القادم من مجاهيل العتمة الكونية!

شخصيات السوبرمان والرجل الوطواط (الخفاش كان مصدر بطولة هنا) والرجل العنكبوت.. كلها شخصيات خارقة تحارب الشر في «المدينة» التي تختصر العالم. وهنا كالعادة، لم يستطع الخيال البشري أن ينوع في هويات البطل، بل فقط تكثيفه في ذلك البطل المحلي للبلد الذي أنتج الفيلمَ أو القصة.
حسناً، كل هؤلاء لو تخيلنا في لحظة فانتازية قصوى حضورهم الحقيقي على أرض الواقع، فإنهم سيصابون بخيبة أمل شديدة، لأن الهجوم على كوكب الأرض وسكانه من البشر لم يأت من خارج الغلاف الجوي أولاً، والمهاجم ليس وحشاً ضخماً بأشعة فتاكة، والهجوم لا يستهدف مدينةَ البطل الخارق وحدها، والهوية الوطنية للبطل الخارق الوطنية ليست مهمة لدى «العدو» إلى هذه الدرجة.
العدو هذه المرة، متناهي الصغر ولا يمكن رؤيته إلا بمجهر متخصص وفي ظروف «مختبرية» خاصة، وهو إنتاج الكوكب نفسه (بعيداً عن التفاصيل)، وليس له أشعة ولا أسلحة بل هو كائن ميت «علمياً»، وجدول أعماله شامل وعام لا أجندات فيه، ويستهدف الجميع، وهذا يعني الجميع بلا استثناء من هذا النوع الحيواني المسمى «إنسان»، بكل أعراقه وجنسياته وأديانه ومعتقداته.. والقوى العظمى بكل قدراتها النووية والهيدروجينية والنيوترونية والتريليونية لا تقدر أن تواجه هذا العدو «الداخلي جداً» والمتناهي الصغر، ربما القدرة الوحيدة لمواجهة هذا الكائن الدقيق متناهي الصغر، هي في العقل والوعي والمعرفة.
نحن أمام عدو يغزو الكوكب من خلالنا نحن البشر، ومواجهته تتطلب أولاً أن نتضامن بالفكرة، لا أن نتوحد متراصين إلى جانب بعضنا البعض. فكرة الدولة الوطنية المعزولة، فكرة غير مجدية أمام هذا الخطر المحدق بالبشرية كلها. عزل الجغرافيا المصابة فكرة وقائية، لكن التصور الواهم بأن الحرب على الفيروس هي منافسة بين تجارب الدول على من ينتصر بتجربته، ليس إلا دغدغة لمشاعر السيد «كورونا» وباقي زملائه من فيروسات تعلن عن نفسها كل فترة.
الورطة الأكثر في صراع المفاهيم الراهن أمام الفيروسات الغازية، أنه أيضاً أعلن سقوط «العولمة» بصيغتها الراهنة، تلك الصيغة «العولمية» للنظم الاقتصادية الليبرالية المتوحشة، أو تحالف رؤوس الأموال الضخم، لا تحالف البشرية المفترض. يقول المؤرخ الدكتور خيري جانبك ملخِّصاً الفكرةَ ببساطة: «منذ نشأة المجتمعات، لم يوجد اقتصاد مات إلا ونهض، لكن في كل التاريخ لم يوجد إنسان مات ونهض».
السوبرمان الآن فكرة ميتة، وربما الأجدى أن نبحث عن الإنسان كما هو مجرد من الخوارق، فالإنسانية وحدها كفكرة مطلقة هي التي تحمي وجود هذا الإنسان.