يعود تاريخ تأسيس المطابع في بلاد الشام إلى عام 1732م وفي مصر إلى عام 1833، وفي العراق إلى عام 1830، وفي الحجاز إلى عام 1882، إلا أن ظهور المطابع في منطقة الخليج العربي تأخر إلى عشرينات القرن الماضي، حيث ظهر أول مطبعة في المنامة في عام 1913 باسم «المطبعة الحجرية» على يد الحاج أحمد عبدالواحد فلامرزي وشريكه الحاج ميرزا علي جواهري، وتلتها في عام 1934 «مطبعة البحرين» لصاحبها تاجر اللؤلؤ والشاعر ورائد الصحافة البحرينية الأديب عبدالله الزايد (ت: 1945). وفي وقت متزامن تقريبًا ظهرت المطبعة السلفية بمكة، كفرعا للمطبعة السلفية في القاهرة لصاحبها محب الدين الخطيب. وفي الكويت أسّس عبدالعزيز الرشيد (ت:1938) أولى مطابع البلاد في عام 1928.

قبل ظهور المطابع في المنطقة، خرجت أوائل المؤلفات الخليجية من مطابع إسلامية في مدينتي بومباي وحيدر آباد اللتين كانتا مقصد أهل الخليج للتجارة والعلاج والترويح والتحصيل العلمي وخلافه. حيث طـُبعت في هذه المطابع، ولاسيما «مطبعة عبدالمنعم العدوي» و«المطبعة الحجازية» في بومباي ومطبعة «الجامعة العثمانية» في حيدر آباد، أول خارطة لمغاصات اللؤلؤ في الخليج في عام 1914، وأول مؤلف عن مغاصات اللؤلؤ للشيخ مانع بن راشد المكتوم بعنوان «خريطة الخليج لمغاصات اللؤلؤ بين السواحل العربية والفارسية» في عام 1939، وأول كتاب عن أوزان اللآلئ وأصنافها لمحمد عطا الله القاضي في عام 1928 تحت عنوان «اللآلئ».

كما طـُبع في الهند في عام 1913 أول كتاب خليجي عن مناسك الحج والعمرة على نفقة الوجيه محمد بن عبدالله المدفع تحت عنوان «الغرر النصائح الجالبة لكل قلب عن السبيل الجانح، وتشوقه إلى حج بيته إذ منْ أمه فهو الرابح». وفي بومباي أيضا تمت طباعة أول كتابين في عهد الدولة السعودية وهما كتابي «عقد الجواهر» في عام 1918، و«تحفة الناسك» في عام 1925، قبل أن تشهد البلاد السعودية ميلاد مطابعها الوطنية. ومن المهم هنا استثناء سلطنة عمان لأن مؤلفات رعيلها القديم اتجهت للطباعة في زنجبار التي نجح سلطانها برغش في إنشاء «المطبعة السلطانية» عام 1880م، بعد أن اشتراها متكاملة من الآباء اليسوعيين ببيروت وجلب لها كادرًا فنيًا من لبنان لتشغيلها، علاوة على جلب بعض العمانيين المعنيين بالحراك الفكري والثقافي للعمل كمشرفين ومراجعين. وكانت مطبعة الإرسالية الأمريكية بمسقط سنة 1895 هي أول مطبعة تظهر في عمان، لكن نشاطها اقتصر على طباعة منشورات مشروع التنصير الذي فشل ففشلت معه المطبعة وتمّ إغلاقها لاحقًا، ليولي العمانيون وجوههم نحو مطابع القاهرة التي طبعت مجموعة المؤلفات العمانية الأولى في القرن العشرين.

أما الإمارات فلم تشهد ظهور المطابع إلا في أواخر خمسينات القرن الماضي، حينما أسس الكويتي رضوان محمد الرضوان وأخوه أحمد محمد الرضوان «مطبعة الرضوان» بدبي عام 1958، وعهدا بإدارتها لإبن عمهم محمد عبدالله الرضوان، وكانت مجهزة بعدد من آلات الطباعة اليدوية والميكانيكية، ويعمل بها بعض الوافدين العرب والهنود. وهكذا تكفلت مطبعة الرضوان، دون منافسة، بطباعة الجريدة الرسمية لإمارة دبي والمستندات الخاصة بالحكومة والبنوك والأعمال التجارية، كما غطت إحتياجات كافة الإمارات الأخرى وبعض المدن والقرى الواقعة على الساحل الفارسي من الخليج العربي. ويعزي الباحث الإماراتي الدكتور عبدالله الطابور ـ في كتابه «رسائل الرعيل الأول من رواد اليقظة في الإمارات» ـ سبب تأخر ظهور المطابع في الإمارات مقارنة ببقية دول الجوار إلى تأخر دخول الكهرباء إلى البلاد بسبب وقوعها تحت قبضة الإنجليز الذين لم يهتموا كثيرا بالمرافق الخدمية.

وفي الثامن عشر من إبريل عام 1959 ظهرت ثانية مطابع الإمارات لصاحبها السيد هاشم بن السيد رضا بن السيد جعفر الهاشمي الذي اختار لها اسم «المطبعة العمانية» نسبة إلى ساحل عمان. اتخذت الأخيرة من بناية التاجر «علي بن مصبح القيزي» في دبي مقرا لها لمدة 14 عامًا قبل أنتقالها سنة 1973 إلى مقر جديد بسكة الخيل. وكان التاجر القيزي صاحب فضل على هذه المطبعة وصاحبها؛ لأنه لم يكن يتقاضى منها سوى إيجار رمزي وذلك من باب دعم أهدافها النبيلة المتمثلة في نشر الثقافة والمعرفة. أما أصحاب مطبعة الرضوان فقد كانوا خلاف ذلك. إذ استبد بهم الجشع والطمع والخوف من المنافسة فراحوا يطالبون حكومة دبي بعدم الترخيص للمطبعة العمانية، لكن الحكومة ردتْ عليهم بالقول «إن الباب مفتوح لمن يرغب في تأسيس دور الطباعة دون قيود». وأخبرنا المؤرخ الأستاذ عبدالغفار حسين في مقال منشور في صحيفة الخليج (15/‏‏6/‏‏2016) أن أول كتاب تولت المطبعة العمانية طباعته هو ديوان الشاعر الشعبي الإماراتي بن ظاهر في يناير 1963 على نفقة الشيخ حمدان بن راشد آل مكتوم رحمه الله.

والحقيقة أن الهاشمي في مشروعه الوطني التنويري هذا واجه الكثير من العقبات الكأداء بدليل أنه كتب عن مطبعته قائلًا: «عاشت سنوات عجاف تلعق جراحها وتمتص رحيق مدخراتها»، والسبب كما يقول الطابور في كتابه المشار إليه آنفا «عدم توفر الكهرباء لتشغيل مكائن الطباعة». وقد حاول الهاشمي أن يتغلب على المشكلة بتزويد مطبعته بماكينة كهرباء خاصة بها إلا أنها لم تؤد المهام المطلوبة منها كما يجب، إذ كانت تعمل ثم تتوقف ثم تعود للعمل مرة أخرى وهكذا. واستمرت الأحوال على هذا النحو إلى أن تم تزويد دبي بطاقة كهربائية كافية لسد كل الإحتياجات في منتصف الستينات. هنا فقط تنفس الهاشمي الصعداء وراح يعمل على طباعة الكتب الأدبية والدواوين الشعرية وغيرها من المؤلفات، فصار للمطبعة العمانية وصاحبها فضل على البلاد، وهذا تحديدا ما أشار إليه الشيخ محمد بن علي المحمود حينما خاطب الهاشمي شعرا فقال:

أنشأت للأعمال خير مـــكان... وجمعت فيه محاسن الاتقان

وأعدت مجدًا للمطابع هاشم... تزهو به الدنيا على الأزمان

فاهْنأ بدار أقيمت بالتقــــــى... يا ابن الرضا والسيد العدنانـي

ومما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا المقام هو أنّ أخًا للهاشمي هو «يعقوب بن السيد رضا الهاشمي» قام هو الآخر باقتحام مجال الطباعة فأسس ثالث مطبعة وطنية في الإمارات باسم «مطبعة الساحل» على شارع البرقيات القديم في بر ديرة، ثم أسس مطابع أخرى في أواخر ستينات القرن الماضي مثل «مطبعة دبي» بالاشتراك مع خليفة النابودة، و«مطبعة البلاد» بالاشتراك مع سلطان الحبشي.

وقبل أن نتوغل في سيرة السيد هاشم صاحب ومؤسس ثاني مطبعة في الإمارات وأكثرها تأثيرًا لجهة نشر الثقافة والأفكار المستنيرة، والرجل الذي لم يكتف بنشر العلم والمعرفة، وانما كانت له أيضا أياد بيضاء في ميادين البر والإحسان، لابد من الإشارة إلى أنّ أصول الرجل تعود إلى لنجة الواقعة على الساحل الشرقي للخليج العربي. ولنجة، كما هو معروف، من البنادر التي حكمها القواسم (حكام الشارقة ورأس الخيمة الكرام) وسكنتها قبائل عربية عديدة هاجرت من الجزيرة العربية قديمًا لأسباب سياسية واقتصادية. ومن ضمن من هاجر إليها السادة الهاشميون، الذين ينتمي إليهم السيد هاشم بن السيد رضا الهاشمي، وهم ـ طبقًا للمؤرخ والأديب الإماراتي المعروف الاستاذ عبدالغفار حسين ـ أسرة الشرفاء العلويين المنتشرين في اليمن والحجاز وعلى امتداد ضفتي الخليج.

كانت عائلة السيد هاشم الهاشمي تقيم في رأس الخيمة، لكنها في بدايات القرن الثامن عشر انتقلت إلى لنجة مع أعداد كبيرة من القواسم بقيادة الشيخ قضيب بن راشد بن مطر القاسمي الذي حكمتْ اسرته لنجة مذاك وحتى أواخر القرن 19 حينما قام الايرانيون بمحاصرة لنجة وانهاء الحكم العربي فيها. وتقول المصادر التاريخية أنّ جد السيد هاشم وأباه وأعمامه (خاصة عمه السيد يوسف بن السيد جعفر الهاشمي الذي كان ساعدا أيمن للشيخ محمد ويتميز بعلاقات وطيدة مع القواسم وتربطه صلة المصاهرة بهم) حاربوا جميعا إلى جانب الشيخ محمد بن خليفة القاسمي (آخر شيوخ القواسم في لنجة) ببسالة من أجل الحفاظ على الحكم العربي في الضفة الشرقية للخليج.

بعد سقوط لنجه ومغادرة آخر شيوخ القواسم إلى الضفة الغربية للخليج، ضاقت الدنيا بوالد السيد هاشم وأعمامه السيد يوسف والسيد يعقوب والسيد محمد، خصوصًا بعدما تيقنوا أن لا جدوى من المقاومة بسبب ميلان الكفة نحو الجانب الفارسي، فاستولوا على إحدى السفن بقوة السلاح وغادروا بواسطتها إلى رأس الخيمة، ومنها إلى الشارقة، ثم إلى دبي.

ما سبق كان إطلالة سريعة على سيرة ودور العائلة التي ينتمي إليها السيد هاشم. أما سيرته هو فتقول أنه ولد في دبي في عام 1909، والتحق في عام 1926 بمدرسة السعادة التي افتتحها التاجران محمد بن عبيد البدور، ومحمد بن سيف السركال في ذلك العام، ومنحا إدارتها إلى الشيخ محمد اليماني الذي كان وقتذاك من العلماء القلائل المتميزين بسعة العلم والثقافة والاسلوب الفريد في التربية والتعليم.

في مدرسة السعادة، التي كانت من المدارس شبه النظامية المشهورة في دبي، زامل السيد هاشم الشيخ محمد بن علي المحمود الذي قال إن اليماني كان يولي اهتمامًا خاصًا بالسيد هاشم لمـّا تأكد من صلاح الأخير والتزامه بالطاعة وتقديره للنصيحة وحبه للعلم وسرعة بديهته، ناهيك عن عراقة نسبه وحسن أدبه وقوة عزيمته، الأمر الذي صار معه السيد هاشم من جلساء اليماني والمقربين إليه، فكان ذلك سببًا في صقل موهبته واحتلاله موقعًا خاصًا بين طلبة العلم قبل أن يتولى مهمة التعليم على نحو ما سنفصل لاحقًا.

يقول المؤرخ الأستاذ عبدالغفار حسين: «إن من صفات السيد هاشم أنه من الشخصيات الظريفة التي لا يملها جلساؤها، وحديثه وكلامه كانا من أمتع ما يسمعه الإنسان، وهو ذو لغة غاية في الأناقة والجمال، ويتميز بأنه كاتب حلو العبارة، ويكتب بلغة عربية سليمة يعلوها سجع جميل». فلا غرو بعد ذلك لو علمنا أن مجالس الرجل الصباحية والمسائية كانت مكتظة على الدوام بالأعيان والمسؤولين والشيوخ وطالبي العلم والمعرفة.

ومما لاشك أن هذه الصفات والملكات التي تحلى بها الرجل قربته من الشيخ مانع بن راشد آل مكتوم الذي عـُـرف عنه في ثلاثينات القرن العشرين تشجيعه للعلم والمتعلمين، ودعمه ومشاركته في حركة التأليف وطباعة الكتب، ودعوته إلى تحديث طرق ووسائل العلم والتعليم، وميله إلى الأدب ومساندة المجلات العربية الصادرة في تلك الحقبة. والدليل نستقيه مما حدث في عام 1932 حينما رشح الشيخ مانع السيد هاشم ليترأس البعثة التعليمية التي تقرر إيفادها إلى العراق على نفقة الوجيه الكويتي عبدالله الصقر، خصوصًا وأن السيد هاشم كان قد درس لمدة عامين في المدرسة الرحمانية بالبصرة. غير أن سلطات الحماية البريطانية عارضت هذه البعثة وعطلتها، تماما مثلما كانت تتعامل مع أي مشروع تعليمي هدفه تنوير العقول وتحديث المجتمع.

في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي لم تكن في إمارة رأس الخيمة من دور العلم سوى الكتاتيب التقليدية البائسة، فقرر حاكمها وقتذاك الشيخ سلطان بن سالم القاسمي أن يقيم أول مدرسة شبه نظامية لتعليم القراءة والكتابة والحساب والنحو والصرف والفقه والأناشيد، واختار منزله كمقر لها، كما جاء بالسيد هاشم من دبي ليكون مشرفا عليها ومدرسا بها. وبالفعل فتحت المدرسة أبوابها في عام 1932 بحوالي سبعين طالبا تحت إدارة واشراف السيد هاشم ومساعدة عبدالله بن راشد السراح وعبيد بن راشد بالعضب والشيخ محمد بن الشيخ عبدالرحمن بن حافظ الأنصاري، وبدعم من الشيخ علي المحمود الذي وفر لها مستلزماتها من القرطاسيات. وقد ظل السيد هاشم يعمل في هذه المدرسة ويقيم في رأس الخيمة مدة سنتين عاد بعدهما إلى دبي لممارسة التجارة وتأسيس المطبعة العمانية على نحو ما سبق ذكره، وذلك لأن المدرسة أغلقت أبوابها وأقيمت بدلاً منها مدرسة جديدة باسم «مدرسة بن غريب» نسبة إلى مؤسسها «يوسف بن محمد بن غريب الذي كان قد ارتحل صغيرا مع والده إلى البحرين طلبا للرزق ودرس هناك في مدرسة الهداية الخليفية في 1923 وعمل بعد تخرجه من الأخيرة مدرسا في المدرسة الأميرية بالدمام، ثم سافر إلى جزيرة قشم للعمل مع إحدى شركات التنقيب عن البترول.

والحقيقة أن المطبعة العمانية كانت أكثر من مجرد مطبعة، إذ وصفها الكثيرون بأنها كانت عبارة عن منتدى ثقافي يلتقي فيه المثقفون والأدباء والشعراء. من هؤلاء الأديب الصديق الأستاذ محمد المر رئيس المجلس الوطني الإتحادي سابقا الذي كان من تلامذة السيد هاشم. كتب المر قائلاً: «إن مجلس السيد هاشم من المجالس الأدبية اللطيفة. ففيه تسمع نقاشا حول قضية دينية أو حديثا عن طرفة أدبية أو كلاما عن حادثة تاريخية».

انتقل السيد هاشم إلى جوار ربه في السادس من أكتوبر 1988 بعد أنْ أعطى وطنه ومواطنيه الكثير من جليل الأعمال وصالحها. فرحمة الله عليه رحمة واسعة.