قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

صدق البعض ما قاله بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني المستقيل، قبل أيام من عزله، إنه ينوي البقاء في السلطة إلى عام 2030. من النادر في بريطانيا أن تسمع مثل هذه التأكيدات حتى من رئيس وزراء يحكم قبضته بالفعل على الحكم، فكيف الحال بجونسون الذي دخل التاريخ من عدة أبواب، من بينها أنه شهد موجة استقالات متتالية من أكبر عدد من الوزراء في حكومته في التاريخ السياسي للبلاد احتجاجا على تمسكه بزعامة الحزب، وبالتالي رئاسة الوزراء، بعد سلسلة لم تنته من الفضائح والتجاوزات، بما فيها حصوله كأول رئيس وزراء في التاريخ أيضا على مخالفة من الشرطة لقوانين تم وضعها من قبله، وهذا ليس بعيدا عن شخصية جونسون الذي طرد من عمله كصحافي في بداية حياته لأنه كذب، وفصل في بداية حياته السياسية من عضوية لجنة برلمانية بسبب فضيحة جنسية.
لم يتبع بوريس جونسون كثيرا القواعد السياسية التقليدية المعمول بها في المملكة المتحدة، حتى إنه بدأ بالفعل في صياغة أداء حكومي رئاسي، لا ولن يتسق مع الحال السياسية في هذا البلد. واعتمد في تصرفاته هذه التي تعد تجاوزات حتى عند شريحة واسعة من حزب المحافظين، على عاملين اثنين: "كاريزما" أيضا نادرة عن سياسي بريطاني بصرف النظر عن مخرجاتها، كرست توصيفه عند البعض بالمهرج، وعامل تأمين خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي "بريكست". فهو القائد الحقيقي لحملة الخروج هذه منذ البداية، منتهزا التحول الذي حدث عام 2016 عندما أجري استفتاء الخروج في أوساط الناخبين، ومستفيدا من الفشل الترويجي الذريع لقادة حملة البقاء في الكتلة الأوروبية. هذا العامل وفر له أرضية صلبة لإبعاد تريزا ماي عن رئاسة الوزراء والحلول مكانها، على اعتبار أنها لم تكن حازمة في تفاصيل إتمام "بريكست".
مجلة «الإيكونومست» البريطانية الرصينة نشرت غلافا قويا بعد عزل جونسون كان عبارة عن صورة له يهبط بمظلة، وعنونت "سقوط المهرج". لكن هذا المهرج أحدث بالفعل تغييرات تاريخية في المملكة المتحدة، ليس فقط على صعيد تكريس "بريكست" كحقيقة، بل أيضا من ناحية أن السياسي المخالف للقواعد يمكنه أن يمد في حياته السياسية حتى لو أدين من قبل مجلس العموم والشرطة ورئيس الأخلاق العامة في الحكومة، ومديرة الموظفين فيها أيضا. قبله، كان الخطأ الطفيف لمسؤول ما كافيا لعزله من منصبه، وربما خروجه من الحياة السياسية كلها. فالقاعدة التي بنيت في بريطانيا على مدى قرون، قامت أساسا على أن خسارة رئيس الوزراء التصويت على مشروع يقدمه للبرلمان بصرف النظر عن أهميته، تعني استقالته.
لكن هذا لم يحدث في حالة بوريس جونسون المستند في عناده، إلى أنه زعيم المحافظين الذي حقق أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات العامة عام 2019، منذ الزعيمة الراحلة مارجريت تاتشر. ويعد ذلك تفويضا قويا جدا، بصرف النظر عن أن نجاحه الكبير هذا، لم يأت إلا لأن جيرمي كوربين منافسه زعيم حزب العمال آنذاك ليس شخصية يمكن أن تحقق الفوز في الانتخابات. فشريحة واسعة من الناخبين البريطانيين كانت تعده شيوعيا يريد توجيه البلاد في مسار متضارب مع المسارات الطبيعية لها. الأغلبية البرلمانية الكبيرة التي حققها عززت حراكه نحو نظام حكومي أقرب للرئاسي. فلم يترك مناسبة إلا وردد فيها تعبيرا نادرا أيضا هو "أنا مفوض من الناخب". في الواقع لم يكن جونسون مفوضا كشخص، بل حزبه كمؤسسة. والفارق كبير بين التوصيفين.
جونسون الذي عزل بمهانة كان يمكن أن يوفرها على نفسه بالاستقالة مبكرا، صار عبئا على الحزب الذي أوصله إلى السلطة. فانتخابات المجالس البلدية التي جرت قبل أشهر ضربت بقوة تمثيل المحافظين فيها، وانتخابات فرعية تمت الشهر الماضي في دائرتين محافظتين خسرهما الحزب. وجونسون نفسه كاد يخسر تصويت حجب الثقة من قبل زملائه النواب قبل عدة أسابيع. وسط هذه الأجواء برزت فضيحة جنسية لنائب عينه رئيس الوزراء في قمة قيادة الحزب، رغم معرفته بفضائح مماثلة له في السابق. لم يعد لا النواب المحافظون ولا أركان حكومة جونسون يتحملون مزيدا من هذه الفضائح والتجاوزات، ولم يقبل هذا الأخير الاستقالة، ما أدى في النهاية إلى استقالات جماعية للوزراء الرئيسين ووزراء الدولة لم يسبق لها مثيل.
طفح الكيل عند أولئك الذين يعتقدون أن جونسون الذي مكن الحزب من حكم البلاد بأغلبية برلمانية كبيرة فعلا، وحقق بعض الإنجازات، مثل مواجهة كورونا، والحرب في أوكرانيا، هو نفسه تحول إلى هم حزبي وعبء من المحتمل كثيرا أن يعيد المحافظين في أي انتخابات عامة مقبلة إلى صفوف المعارضة، ولا سيما مع النجاحات الشعبية الراهنة التي يحققها حزب العمال المنافس الرئيس دائما. لا شك أن جونسون يخرج من الحكم تاركا حزب المحافظين مشتتا، وربما يحتاج الأمر إلى أعوام كي يعود التماسك إلى هذا الحزب. وتكفي الإشارة إلى أن أغلب المرشحين لخلافته يضعون على رأس برامجهم الانتخابية الأخلاق والصدق والنزاهة، قبل الاقتصاد والحرب في أوكرانيا، ومستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وغيرها من مسائل محورية. لأن فترة جونسون ضربت هذه المعايير طوال ثلاثة أعوام حكم فيها البلاد.