قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ملء الشغور الرئاسي الزاحف بعد 31 أكتوبر (تشرين الأول)، عند انتهاء ولاية الرئيس عون، هو حتى الساعة المبرر الفعلي للضغوط المتصاعدة لاستيلاد حكومة تصريف الأعمال بمراسيم جديدة ومنحها الثقة النيابية. والمعلن أن الهدف الآني تفادي ما يمكن أن يطرأ من ألاعيب باسم الدستور، تتسبب بإحداث مزيد من الفوضى ترغم «حزب الله»، كما بعد ثورة «17 تشرين»، على تقدم الصفوف لأخذ الأمور بين يديه حفاظاً على تسلطه.

لقد أصابت انتخابات 15 مايو (أيار) مخطط الاستئثار والاقتلاع بعطب كبير عندما أفقدت فريق الدويلة الأكثرية النيابية، فبات عندهم الشغور الرئاسي من عاديات الأمور. حدث الشغور الرئاسي لأول مرة بعد الطائف في نهاية ولاية إميل لحود، وثانياً بعد انتهاء ولاية ميشال سليمان، وأساساً لم تكن الرئاسة بعد الطائف إلا واجهة فيما القرار في مكان آخر. ولأن المرحلة غير مؤاتية لـ«حزب الله» كي يفرض رجله في الرئاسة، أصبح خياره تعويم الحكومة الممسوك قرارها بالجملة والمفرق!

الأكيد أنه أمر خطير إعادة استيلاد الحكومة الحالية، حكومة «الثورة المضادة»، لتتسلم صلاحيات الرئاسة ولو شكلاً. ففي هذا القرار تجاوز للتمثيل النيابي الذي أفرزته صناديق الاقتراع، ومؤشر مقلق للمضي بالسياسات نفسها التي أوصلت لبنان إلى الحضيض واللبنانيين إلى الجحيم... وهذا المخطط ماضٍ بقوة لأن كل الآخرين استبعدوا المسألة الحكومية من أجندتهم، رغم محورية دور الحكومة اليومي والبعيد المدى، وبالغوا في إطلاق الرهانات الرئاسية. لذا كل التحركات النيابية والاجتماعات وكذلك مبادرة نواب الثورة للإنقاذ، بدت في العمق صراعاً شكلياً يدور بعيداً عن هموم الناس وقضاياهم.

والأمر اللافت أنه حتى اللحظة، ما من مبادرة من نواب الثورة باتجاه تفعيل دور المواطنين في الاستحقاق الرئاسي. كما لم يمارس الضغط لإيجاد حكومة، تمتلك الحد الأدنى من المواصفات التي تمكنها من إطلاق مبادرات واتخاذ قرارات تحد ولو جزئياً من الانهيار الكبير. واللافت أيضاً أن كل القوى التشرينية، أياً كانت تسمياتها، غائبة أو مغيبة وخارج الصورة. ما يعني أن وضع شعارات التغيير في التطبيق أمر بعيد المنال!

الحياة لا تقبل الفراغ، ولا انتظار جهوزية الآخرين، ففي هذا الوقت تنفذ أخطر الممارسات التي تعمق أزمات لبنان، وتضع عقبات إضافية أمام الساعين للإنقاذ. فعلى سبيل المثال، والبلد أمام الإفلاس ويواجه أخطر أزمة مالية، شهد أسبوع إضراب القطاع المصرفي، ضد المودعين الذين رفضوا نهب جني أعمارهم، وهدر مئات ملايين الدولارات على منصة صيرفة، فلمن ذهبت هذه الأموال وهي جزء من ودائع الناس ما دامت المصارف مقفلة؟ وكم بلغت «التحويلات» إلى الخارج لصالح السياسيين وعائلاتهم؟

تكمن خطورة ما يجري في كونه يقدم الإثباتات بأن المنهبة لم تتوقف، وتقدم الحياة نماذج عن الغدر بمصالح الناس وحقوقهم. فبالتزامن يكشف الاقتصادي د. توفيق كسبار عن مفاجأة من العيار الثقيل عندما يعلن عن فجوة في أرقام مصرف لبنان بمبلغ 38 مليار دولار! يبدو أنها نجمت عن هندسات مالية إجرامية، استفاد منها أصحاب المصارف وشركاؤهم وحولت هذه الأموال إلى الخارج! وتكشف تقديرات أن هذه الأموال هي بالليرة وتم تحويلها في حينه إلى الدولار على سعر 1500 ليرة! ما يؤكد مرة أخرى أن تثبيت سعر الصرف حقق الأرباح الخيالية لأصحاب الأموال من متعهدين ومحظوظين شركاء أو واجهات للطبقة السياسية.

كل حدث يغطي على ما قبله، فالسلطة، حكومة «الثورة المضادة» التي سيتم تعويمها والبرلمان دأبوا منذ أكثر من سنة على تقديم المشاريع الخطرة تحت عنوان خطة «التعافي» المالي والاقتصادي. مشاريع أدرجها صندوق النقد الدولي دوماً في خانة سلبية، لكنهم في الحكومة والبرلمان أداروا الظهر للنصائح المخلصة، كما لانتقادات الداخل، لأنهم حددوا الهدف وهو حماية المافيا المالية، بمنع مساءلة الكارتل المصرفي عن دوره في السطو على الودائع، كما حماية رياض سلامة، الملاحق أمام القضاء الأوروبي بتهم غسل الأموال والتهريب.

وما هو حاصل هذه الأيام، يذكر بقرار إقفال المصارف تعسفاً غداة ثورة تشرين، فجرت خلف الأبواب المغلقة أكبر عملية نهب للودائع، طالت تهريب المليارات واستفاد منها كبار المصرفيين والسياسيين، الذين نقلوا أموالهم إلى الخارج مطمئنين إلى الرعاية السياسية والحماية القضائية والأمنية من جهة، ومن الجهة الأخرى نجد مرتاحين إلى أن البرلمان لن يقر أي مشروع «كابيتال كونترول» يُقيد سلبطتهم، وهو لم يقره بعد مرور نحو 3 سنوات على بدء الانهيارات، وكل المشاريع التي عرضت كان من بين أبرز أهدافها العفو عن الجرائم المالية!

على مدى عام كامل، من 10 سبتمبر (أيلول) 2021 حتى تاريخه، عمر حكومة نجيب ميقاتي، لم يكن من هم لقوى التسلط والاستبداد والتبعية للخارج وارتهان البلد إلا الدفاع عن مخطط «التمويل البونزي» الذي فضح مخاطره تقرير للبنك الدولي المنشور في أغسطس (آب) الماضي. وكذلك الدفاع عن المدعى عليهم بجناية «القصد الاحتمالي» بالقتل، في جريمة تفجير المرفأ. فكان أن منعوا كل أشكال المحاسبة وعطلوا الدعاوى وجمدوها، وأرادوا إفهام الموجوعين أن القضاء الممسوك من المافيا لن ينفعهم! وأليس أمراً مثيراً للريبة أن كل الضجة التي أُثيرت طيلة أشهر حول التدقيق الجنائي تلاشت والنتيجة صفر مكعب!

تشتد الأزمات على رقاب اللبنانيين، والبلد يكاد يفرغ من القدرات والكفاءات في كل المجالات، وتتفاقم جرائم الاتجار بالبشر، ومسلسل «قوارب الموت» مدبر وممنهج ويستحيل أن يكون من فعل قلة من العصابات الإجرامية، بل من المؤكد أن منفذيه لديهم حمايات سياسية وأمنية وربما شراكات مالية. وهو يكشف عن مخاطر داهمة على النسيج اللبناني باستهدافه إحداث تغيير ديموغرافي! وهنا يطرح السؤال نفسه عما إذا كان ما يواجهه لبنان من تحديات وأخطار قدراً لا مفر منه، أو بالإمكان كسر الحلقة الجهنمية!

أثبت اللبنانيون قدرة فائقة على المواجهة الجماعية، وطويت مقولات من أن اللبناني ينجح كفرد ويفشل كجماعة. مثال «17 تشرين» ما زال ماثلاً وتوجَهُ التصويت العقابي في انتخابات 15 مايو. ومن نجوم كرة السلة الرائعين الذين أوصلوا لبنان إلى نهائيات بطولة العالم، والفوز المستحق لفرقة «مياس» التي أبهرت الناس في كل الجهات، كل الإمكانيات متوفرة لقيام عمل سياسي جماعي يعيد رسم موازين القوى الحقيقية. المطلوب المبادرة ببدء تنظيم سياسي تشريني- أو تنظيمات-، تحمل عناصر استعادة ثقة المواطنين. لقد بات لدى الناس قدرة كبيرة على المعرفة والاكتشاف والتمييز. فوضوح الهدف وبلورة أطر التشاور واحترام دور الفرد، عناصر جدية في استعادة الناس إلى الفعل السياسي، ومغادرتهم مقاعد الانتظار، للمساهمة في قيام «الكتلة التاريخية» العابرة للمناطق والطوائف، الممر الإجباري لبلورة البديل السياسي الذي يعول عليه.