قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يلاحظ المراقب السياسي كثرة زيارات الوفود الأفريقية إلى الجزائر منذ تولّي الرئيس عبدالمجيد تبّون سدة الحكم في قصر المرادية، وكذلك ازدياد حجم الحضور الدبلوماسي الجزائري في القارة الأفريقية خصوصاً في إطار الاتحاد الأفريقي، فهل يمكن اعتبار هذه الزيارات وهذا الحضور نتاجاً للاستراتيجية الجزائرية في القارة السمراء أم هو تمهيد لإنشائها؟

في هذا الخصوص، يرى الخبراء المتخصصون في العلاقات الجزائرية - الأفريقية أن ما يحدث راهناً على صعيد تبادل الزيارات بين الجزائر وبين القيادات الحاكمة في الدول الأفريقية هو مجرد نشاطات حكومية عادية لرؤساء يفتقدون إلى التمثيل الشعبي، لأنها لا تشمل جوهرياً المجتمعات المدنية الأفريقية ولا تستند إلى قواعد صلبة ثقافياً واقتصادياً وإعلامياً وتنسيقاً أمنياً شاملاً يرقى إلى التكامل الحكومي والشعبي الجزائري – الأفريقي الحقيقي؟

في الواقع فإن الجزائر ليس لديها حتى الآن أي مشروع واضح المعالم في مجال القوة الناعمة الذي يمكن وصفه بالمتفرد والقادر على تشكيل الأساس المادي والرمزي العضوي الذي يسمح بالانطلاق في ربط الجزائر بأفريقيا بشكل حيوي يجعلها تنافس، مثلاً، الحضور البريطاني الاقتصادي والثقافي في أفريقيا في إطار منظمة دول الكومنولث، أو التأثير كما فرنسا في إطار منظمة الفرنكوفونية، أو يوازي نشاطات الصين التي تستثمر في أفريقيا أكثر من ألفي مليون دولار في مختلف قطاعات التنمية.

إن حجم الحضور الجزائري الاقتصادي والثقافي والإعلامي والتعليمي في أفريقيا يوضح أن الجزائر لا تحتل موقعاً اقتصادياً أو ثقافياً أو سياحياً أو إعلامياً أو تعليمياً استثنائياً وملموساً في العمق الأفريقي، ما عدا بعض التبادل التجاري البسيط جداً الذي يربط بتواضع بين دول القارة السمراء وبين الجزائر، إضافة إلى ظاهرة الزيارات الدبلوماسية المتبادلة التي لا يسندها التكامل الشامل والملموس في الميادين المذكورة آنفاً.

في هذا السياق تجدر الإشارة إلى انعدام المؤسسات المادية والمعنوية التي تضمن للجزائر فهم مجتمعات أفريقيا وثقافاتها وتنوعها الحضاري، وذلك سعياً لتعميق العلاقات مع المجموعة الأفريقية التي يبلغ تعداد دولها المستقلة 54 دولة وتتربع جميعها على ثاني أكبر مساحة في العالم تكتنز ثروات مادية وحضارية كبرى. ومع الأسف لا توجد في الجزائر كليات للدراسات الأفريقية في منظومة التعليم العالي أو مراكز للدراسات التنموية الاستراتيجية الأفريقية، وفرق البحث في مختلف شؤون أفريقيا على الصعيد الرسمي أو ضمن إطار مؤسسات المجتمع المدني.

لا تملك الجزائر أيضاً البنى الأساسية للقوَة الناعمة الموجهة إلى أفريقيا أو تلك الموجهة أفريقياً إلى الجزائر، علماً أن هذه البنى المفقودة هي التي يفترض أن تؤدي دوراً محورياً في نسج علاقات التعارف والتثاقف والتكامل بين مواطني الجزائر وأفريقيا. وحتى الآن لا توجد مراكز ثقافية والمجلات والمنابر الإعلامية المتخصصة في الحياة الاجتماعية والثقافية والفكرية والفنية الأفريقية، وفي هذا الشأن بالذات يلاحظ انعدام وجود المراكز الثقافية الأفريقية في الجزائر أسوة بالمركز الثقافي الفرنسي أو الأميركي في الفضاء الجزائري على سبيل المثال.

أما على صعيد المنظومة التعليمية، فإن مناهج التعليم الابتدائي والإكمالي والثانوي والجامعي تخلو من أي مضمون أو توجه أفريقي وهذا يعني عدم وجود رؤية تعليمية ذات مضمون جزائري أفريقي حيث تخلو الكتب المقررة من النصوص الأفريقية ومن المعالم المشكلة لفرادة حضاراتها وتاريخها وتأثيرها على تشكيل مفاصل الحضارة العالمية.

وفي هذا الخصوص بالذات ينبغي ضرب الأمثلة قصد التوضيح أكثر حيث يلاحظ المرء انعدام وجود مراكز الترجمة ودور النشر والتوزيع الجزائرية المتخصصة في نشر وترجمة الانتاج الثقافي والفكري والفني الأفريقي وتقديمه للشعب الجزائري. وفي هذا الإطار هناك غياب للعمل الثقافي الجزائري الأفريقي المتبادل وذلك منذ انعقاد المهرجان الثقافي الأفريقي في الجزائر في عام 1969 أثناء حكم الراحل هواري بومدين، ثم ندوة الحوار العربي - الأفريقي التي نظمها إتحاد الكتاب الجزائريين في عام 1983 بالتنسيق مع اتحاد كتاب آسيا وأفريقيا، ولكن لم يكتب لها الحظ في أن تتواصل وتتحول إلى إطار منسق يجمع شمل مبدعي الأدب والفكر في شمال وعموم القارة الأفريقية ويؤسس للمثاقفة بينهم ويخلق أسباب نشر الانتاج الأدبي والفكري. أما المهرجان الثقافي الأفريقي الثاني الذي انعقد في الجزائر في عام 2009 تحت عنوان "أفريقيا التجديد والنهضة"، وكان مبرمجاً أن يخصص له مبلغ 51 مليون يورو للتكفل بنفقاته، فلم يتجاوز أفق فعاليات التنشيط الثقافي إلى رحاب العمل الثقافي والفني والفكري الاستراتيجي الدائم حيث لم تنبثق عن هذا المهرجان مؤسسات تسند إليها مهمة بناء مشروع ثقافي تكاملي يربط أجيال الشباب الأفريقي ربطاً روحياً وحضارياً خصباً ومتواصلاً.

وهنا نتساءل: هل تقدر الجزائر بمفردها أن توفر الإمكانات الثقافية والعلمية والاقتصادية المطلوبة لتحقيق مشروع التأثير البناء في القارة السمراء أم أن إنجاز مثل هذه المهمة الكبرى يتطلب العمل الجاد في إطار الاتحاد المغاربي الموحد والذي يفترض أن يكون النواة الصلبة التي تضمن المساهمة في بناء معمار القطب الأفريقي المؤثر اقتصادياً وثقافياً وسياسياً في العالم الذي يشهد بروز التكتلات الكبرى.