المفارقة في الدبلوماسيّة المحترفة تكمن في أنّها عندما تصمت، في اللحظة الصاخبة، تقول الكثير لأنّها تترك للعيون مجالًا لترى، وعندما تتكلّم تقول القليل ل"تُغبّش" على ما هو واضح.

ولا يوجد مبرّر للشك في أنّ السفير السعوديّ في لبنان وليد بخاري الذي تتسلّط الأضواء السياسيّة عليه، لما لبلاده من تأثير ووزن في الإقليم والعالم، ينتمي فعلًا إلى هذه الفئة من الدبلوماسيّين المحترفين.

ويكتسب دور بخاري في هذه المرحلة بالتحديد أهمية خاصة، بسبب يقين جماعي بأنّ المملكة العربيّة السعودية التي أعلنت، أمس في "منتدى الطائف" عودتها الرسميّة الى لبنان، تريد أن تكون مؤثّرة في الإستحقاق الرئاسي اللبناني، وأن تكون لها كلمتها في إعادة تكوين السلطة في لبنان، لما لذلك من انعكاسات على "أمنها الإستراتيجي" من جهة، وعلى التفاهمات مع الولايات المتّحدة الأميركية وفرنسا وقوى لبنانيّة على أساسها وضعت حدًّا لانسحابها سابقًا من بيروت، من جهة أخرى.

وبناء عليه، فإنّ موقع المقعد الذي خصّصه بروتوكول السفارة السعوديّة في لبنان لرئيس "تيّار المردة" سليمان فرنجيّة لا يمكن أن يمرّ مرور الكرام، إذ إنّ فرنجيّة جلس في "المربّع الذهبي" من الصفّ الأوّل، على الرغم من أنّه لا يشغل ولم يشغل موقعًا يخوّله الجلوس فيه.

وتقدَّم مقعد فرنجيّة على مقاعد كثير من الوزراء والنوّاب الحاليّين بمن فيهم النائب ميشال معوّض الذي تضع اسمه الكتل النيابيّة اللبنانيّة الحليفة للمملكة العربيّة السعوديّة في "صندوق الاقتراع" الخاص بانتخاب رئيس الجمهوريّة.

وليس خافيًا على أحد أنّ سليمان فرنجيّة "مرشّح بديهي" لرئاسة الجمهورية، وهو يحظى بتأييد معلن، ولو بطريقة غير رسميّة، من "حزب الله" و"حركة أمل"، فيما يصرّ هو على تقديم نفسه كما لو أنّه "شخصيّة وفاقيّة"، محليًّا وإقليميًّا.

هذه الخلفيّة المهمّة، في هذه اللحظة السياسيّة بالتحديد، لا يمكن أن تغيب عن الجهة البروتوكوليّة التابعة للسفارة السعوديّة التي تولّت تنظيم "منتدى الطائف" الذي انعقد، أمس في قصر الأونيسكو، في بيروت.

وعليه، هل يُمكن أن تكون هذه المسألة البروتوكوليّة رسالة سياسيّة تتمحور حول شخص سليمان فرنجيّة الذي لم ترفع في وجهه "حقّ الفيتو" أيّ جهة إقليميّة أو دوليّة؟

بالعودة الى العام 2016، يتّضح أنّ المملكة العربيّة السعوديّة وفرنسا "تحمّستا" لترشيح فرنجيّة بعدما تبنّاه رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري الغائب وتيّاره هذه السنة عن تنظيم كانا يتولّيانه عبر "مؤسسة الحريري للتنمية البشريّة المستدامة" برئاسة السيدة بهية الحريري ل"منتدى الطائف" ، في حين عادت هاتان الدولتان وتعاطتا، ببرودة، مع توافق القوى السياسيّة الأساسيّة في لبنان على انتخاب العماد ميشال عون.

وإذا تمّ النظر الى الموقف الراهن للقوى التي حال "تآلفها غير الطبيعي" دون وصول فرنجيّة، في العام 2016 إلى رئاسة الجمهوريّة، يتّضح أنّ القوى الأقرب إلى السعوديّة تعلن رفضها ل"رئيس تيّار المردة"، كما هي عليه حال "الحزب التقدّمي الإشتراكي" و"القوات اللبنانيّة" الذين يتمسّكان، حتى تاريخه، بترشيح النائب ميشال معوّض، في حين أنّ القوة التي تعادي المملكة، أي "حزب الله" تعلن تأييدها لفرنجيّة وتسعى إلى إقناع "التيّار الوطني الحر" الذي يرفضه وسائر الأسماء المعلنة.

وفي العام 2016، التقت مصالح "القوات اللبنانية" و"حزب الله" على العماد عون، فخابت حظوظ فرنجيّة.

حاليًا، الطريق الى انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة مقطوع، إذا لم يحصل توافق بين القوى السياسيّة المتخاصمة، ولكن سرعان ما تزول العراقيل، في حال توافقت قوى أساسيّة على فرنجيّة أو غيره.

وهنا تكمن أهميّة ما حصل في قصر الأونسكو، أمس بحيث يمكن التعامل معه كإشارة "إحتماليّة" من السعوديّة في اتّجاه فرنجيةّ، الأمر الذي يفتح الباب واسعًا أمام "مفاوضات في الكواليس" على صفقة متكاملة، بحيث يتم التوافق على رئيس للجمهوريّة في الوقت نفسه الذي يتم فيه التوافق على رئيس للحكومة.
ولا يمكن الإعتقاد بأنّ هذه "المفاوضات غير ممكنة"، فمن يدقّق في الأدبيّات التي استعملها السفير وليد بخاري و"ضيوف المنتدى" يتفاجأ بأنّ "حزب الله" لم يغب فقط عن القاعة بل عن مواقف جميع هؤلاء، أيضًا.

يحصل ذلك، في الوقت الذي صعّدت فيه إيران أصوات "الدبلوماسيّة الإيجابيّة" تجاه السعوديّة على حساب "التهديدات الفجّة" التي كان قد أطلقها "الحرس الثوري الإيراني"، وفي الوقت الذي استعادت فيه المساعي الدوليّة زخمها من أجل إحياء الهدنة في اليمن...غير السعيد.

ومهما كان عليه الأمر، فإنّ الدبلوماسيّة المحترفة تتحدّث بلغة الإشارة، والفكرة التي أرسلتها هذه الإشارة الدبلوماسيّة تُظهر الآتي: سليمان فرنجيّة يصلح كقاعدة لتعميق المفاوضات التي يُمكن، بطبيعة الحال، أن ترسو نتائجها على غيره، لأنّ "حزب الله" كما يُعاني في فريقه من إمكان توفير توافق على فرنجيّة، بفعل الرفض المعلن ل"التيّار الوطني الحر"، فإنّ أقوى حلفاء السعوديّة في لبنان قد لا يعيرون كبير اهتمام لمقعده وسوف يصرّون على غيره