قراؤنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

«شحرورة العراق» لقب أطلق على المغنية العراقية «عفيفة إسكندر إصطفيان» التي أبصرت النور في الموصل في ديسمبر 1921 وتوفيت بمرض عضال في بغداد في أكتوبر 2012 عن 91 عاماً. كان ميلادها لأب عراقي أرمني مسيحي وأم يونانية هي «ماريكا ديمتري» التي كانت تعزف على أربع آلات موسيقية وتعمل بملهى ماجيستك البغدادي.

وبسبب نشأتها في بيت فني، غنت لأول مرة في الثلاثينات على مسرح ملهى صغير في أربيل بشمال العراق، وهي في سن الثامنة، قبل أن تنتقل للعمل بملاهي بغداد الشهيرة، حيث تحولت سريعاً إلى نجمة معروفة بفضل جمالها وذكائها وحسن أدائها للمنولوجات السريعة باللغات العربية والتركية والانجليزية والفرنسية والألمانية.

وعلى الرغم من زواجها في سن الثانية عشرة من عازف وفنان أرمني خمسيني يدعى «إسكندر إصطفيان»، فإنها واصلت تألقها إلى حد بلوغها مرتبة المغنية الأولى في العهد الملكي، فصار كبار مسؤولي الدولة يطلبون ودها ويحضرون حفلاتها الغنائية ويطربون لصوتها بمن فيهم الملك فيصل الأول والملك فيصل الثاني والوصي الأمير عبدالإله ورئيس الحكومة نوري باشا السعيد، ولاحقاً عبدالكريم قاسم (عدا عبدالسلام عارف الذي اتهمها ظلماً بالشيوعية فحاربها وضيق عليها)، علماً بأنها لم تغن قط لا للعهد الملكي ولا لقادة انقلاب 14 تموز، وإنما غنت فقط لعيد الجيش العراقي.

في عام 1938 فعلت ما لم تفعله غيرها من فنانات العراق في عصرها بسفرها إلى القاهرة، حيث غنت هناك وعملت مع فرقة بديعة المصابني وفرقة تحية كاريوكا في أربعينات القرن العشرين، بل قامت في عام 1940 بالتمثيل والغناء في فيلم «يوم سعيد» من بطولة الموسيقار محمد عبدالوهاب وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، لكن لسوء حظها قام مخرج الفيلم محمد كريم بحذف المقاطع التي ظهرت فيها وهي تغني بغية تقصير مدة العرض التي تجاوزت الساعتين.

كما شهدت رحلتها المصرية مشاركتها في فيلم «القاهرة ــ بغداد» الذي أخرجه أحمد بدرخان سنة 1947 من تمثيل أبو المسرح العراقي حقي الشبلي، والفنان العراقي إبراهيم جلال، ومديحة يسري وبشارة واكيم وثريا فخري ورياض القصبجي وعبدالعزيز خليل وأحمد درويش.

وأثناء تواجدها في العاصمة المصرية تعرفت على الأديبين المصريين الكبيرين إبراهيم عبدالقادر المازني وإبراهيم ناجي، فتأثرت بهما، وكان من نتائج ذلك أن بدأت مشوارها الأدبي بعد عودتها إلى العراق، حيث أقامت صالوناً أدبياً أنيقاً في منزلها بمنطقة المسبح في الكرادة، وحرصت أن يكون الصالون ذا تقاليد رفيعة خاصة، ما شجع رجالات السياسة والأدب والفن والثقافة العراقيين والعرب على ارتياده. ومن خلال هذا الصالون الأدبي توثقت علاقتها بالعلامة الدكتور مصطفى جواد، فاتخذته مستشاراً لها في اللغة والشعر واختيار القصائد الصالحة للغناء.

وفي عام 1949 شاركت في فيلم «ليلى في العراق» الذي أنتجته استوديوهات بغداد، وأخرجه المخرج المصري أحمد كامل مرسي من تمثيل جعفر السعدي وإبراهيم جلال وعبدالله العزاوي ونورهان والمطرب اللبناني محمد سلمان.

وفي الوقت نفسه واصلت تقديم أغانيها الجميلة المكتنزة بالأشواق والشجون والعتاب من خلال التعاون مع أبرز ملحني الأغنية العراقية في زمنها مثل أحمد الخليل وخزعل مهدي وياسين الشيخلي حتى بلغ رصيدها من الأغاني أكثر من 1500 أغنية، لعل أشهرها:

«يا سكري يا عسلي»، «أريد الله يبين حوبتي بيهم»، «نم، وسادك صدري»، «قلب.. قلب.. عيني قلب»، «يا يمه أنطيني الدربين»، «جوز منهم»، «خلهم يقولون»، «إلك يومين»، «هلك منعوك.. لو إنت بعدت عني»، «حرقت الروح لمن فارقتهم»، «إحجي والحجي شيفيد»، «الله الله لو تسمع هلي»، «يا حلو يا أسمر»، وأغنية «دورت بغداد.. للموصل رحتْ».

المحزن أن فنانة كبيرة مبدعة بحجم عفيفة اسكندر عاشت سنواتها الأخيرة على الإعانات وصدقات المحسنين.