لا يزال في الوقت متسع ومقام للحديث عن المنجز الحضاري الرائد لوزارة الداخلية، والمتعلق بمجمع السجون المفتوحة الذي جاء افتتاحه متزامنًا مع احتفالات المملكة بالأعياد الوطنية. هذه الأعياد التي تعطي شهر ديسمبر من كل عام فرادة ونكهة استثنائية وعبقًا من بين شهور السنة البحرينية. ولن يكون الحديث، بأي حال من الأحوال، حول هذا الموضوع متأخرًا؛ لأن كل المنجزات المتعلقة بحقــوق الإنسان تأتي تواليًا وبنسق منتظم منذ أكثر من عشرين عامًا عندما جاء تعيين معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة وزيرًا على رأس وزارة الداخلية، وفي كل عام لهذه الوزارة نصيب من المراجعة والتطوير لتحقيق الأهداف الموضوعة.
فالتطوير المستمر والمتلاحق، الذي يجريه معالي الوزير لمنظومة العدالة الجنائية ليُعزز به منظومة قيم حقوق الإنسان عنصر وازن في العلاقة بين مؤسسات الدولة والمواطنين والمقيمين، وقد غدا نهج عمل ثابت لوزارة الداخلية التي ما فتئت تَنْشُد التطوير وتفعّله في كل برامجها التي طبعت العمل الأمني ببصمة حقوقية وبأبعاد وقائية وتربوية ترتقي بقيم الحق والواجب لدى كافة أفراد المجتمع البحريني حتى يصبح الالتزام بالقانون والابتعاد عن مسالك الجريمة وعن مخالفة القانون سبيلا يُبنى به مجتمع بحريني خالٍ من السجون.
وليس مشروع السجون المفتوحة إلا خطوة عملاقة في سبيل تفعيل مشروع العقوبات البديلة، المشروع الرائد الذي كان وسيظل مثالا يقتدى به، فهو علامة فارقة دالة على تحول نوعي يُضيف إلى التشريعات العقابية المعمول بها مرونة في التعامل مع المحكومين هي في ذاتها رسالة تبين أن الغاية من العقوبة السجنية - وهي عقوبة سالبة للحرية - تربيةٌ على قيم الحرية ومقتضياتها التزامًا أخلاقيًا وسلوكيًا. وضمن هذا الإطار كانت زيارة معالي وزير الداخلية لمجمع السجون المفتوحة تعبيرًا عن رغبة معاليه في أن يطمئن بنفسه لدرجة الإتقان التي بلغها التنفيذ حتى يكون تجسيدا لمبادئ العهد الإصلاحي لجلالة ملك البلاد المعظم.
لعل القارئ الكريم يتساءل، وهو يتابع ما يُقال عن برنامج العقوبات البديلة عمّا يعنيه افتتاح مجمع السجون والاحتفاء بهذا الافتتاح للبحرينيين؟ باختصار، إنه يعني إضافة نوعية ومراكمة مدنية وقانونية لمزيد من المكتسبات في مجال حقوق الإنسان وقيم العدالة التي تثبت للعالم أجمع كذب كل من يتقول على مملكة البحرين ويسخر إعلامه الرخيص للنيل من مملكة البحرين في هذا الجانب، ولعل آخر من نطق كفرًا بعمل حكومة مملكة البحرين من أجل تطوير منظومة حقوق الإنسان هو البرلمان الأوروبي من خلال تقرير بُني على معلومات مزيفة يتداولها أعداء البحرين. يُعد هذا التقرير تدخلا في شئون مملكة البحرين مرفوض جملة وتفصيلاً.
وثمة سؤال آخر هنا ينبغي أن يعقب السؤال السالف ومفاده: إلام يقودنا وجود مثل هذه السجون مستقبلاً؟ قبل افتتاح هذا المجمع ينبغي القول إن السجون المفتوحة كمبادرة كانت جريئة في سياق التطويرات الشاملة التي تشهدها المملكة، والسجون المفتوحة هذه تشكل منعطفًا مهمًا في تعامل الدولة مع المسجونين الذين ارتكبوا جنايات مختلفة مستوياتها؛ إذ إنها، أي المبادرة، تفتح أفقًا للمسجونين لإصلاح ذواتهم في بيئة اجتماعية مناسبة تحاول وزارة الداخلية توفيرها مع كل المستلزمات المصاحبة التي يحتاجها المسجونون لتمضية فترات العقوبة ليعودوا بعدها إلى مجتمعهم مؤهلين قادرين على المساهمة في عملية البناء. وبدلاً من أن يكون الجاني المعاقب قابعًا بين أربعة جدران فإنه سيتمتع بحرية التنقل في فضاء المجمع ولديه أماكن مخصصة لممارسة الرياضة ومختلف الهوايات، ولديه مدرسة للتعلم، ولديه - وهذا هو الأهم - فرصة للتدرب على الحرية قيمة لا تنبني إلا من خلال التوازن بين الحق والواجب.
وإلى جانب أن هذه السجون جاءت استكمالاً لعملية التطوير المستمرة التي تجريها وزارة الداخلية على مشروع العقوبات البديلة، فإنها تُعد إضافة نوعية لمكتسبات جديدة مهمة في مجال حقوق الإنسان الذي تحرص القيادة السياسية على ديمومة تطويرها لتبقى شاهدة على ما يُنجز في عهد صاحب الجلالة المعظم الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه. هذا هو الذي يعنيه وجود سجون مفتوحة لدينا في البحرين. وهذه السجون بالمناسبة توجد في عدد محدود من بلدان العالم، من بينها البحرين التي تُعد واحدة من الدول السباقة إلى العمل بهذا النوع من السجون التي تعبر عن رؤية مجددة ومتطورة وريادية في مقاربة حقوق المحكومين وضمانها بما يحفظ كرامتهم وحق المجتمع عليهم في أن يتداركوا عثراتهم.
أنا من المؤمنين بأن الحديث عن إنجازات الدولة في كل المجالات وإبرازها لا ينبغي أن يكون مناسباتيًا محصورًا في وقت بعينه أو في مناسبة من المناسبات الوطنية الكثيرة، ومن الداعين إلى ألّا تُسرد هذه الإنجازت تحت سقف وبين جدران أربعة، ذلك أن الإنجازات والنجاحات التي تحققها مملكتنا الحبيبة لها لحن وإيقاع جميل تستسيغ الأذن سماعه في كل وقت وكل حين. فشكرًا وزارة الداخلية، ودامت مسيرتك ثابتًا إيقاع خطواتها من نجاح إلى نجاح.
- آخر تحديث :















التعليقات